من انتصر؟ السؤال الخطأ في الحرب الأمريكية–الإيرانية

د. محمود عباس

 لا يمكن وضع الولايات المتحدة وإيران في كفتي ميزان واحدة، ثم طرح السؤال ببساطة، من ربح الحرب؟ لأن هذا السؤال، بصيغته المباشرة، يفترض منذ البداية أن الطرفين قوتان من طبيعة واحدة، وأنهما تخوضان الحرب بالمفهوم نفسه، وتقيسان الربح والخسارة بالمعايير ذاتها. وهذا، في تقديري، هو موضع الخطأ الأول في معظم القراءات التي تناولت المواجهة بينهما.

المسألة أعمق من ميزان الصواريخ والخسائر العسكرية. نحن أمام نوعين مختلفين جذريًا من القوة، ونوعين مختلفين من مفهوم النصر نفسه.

الولايات المتحدة لا تحتاج إلى أن تعلن للعالم أنها قوة إمبراطورية؛ فالعالم يتعامل معها على هذا الأساس قبل أن تبدأ هي بالتعريف بنفسها. حضورها العسكري، وثقلها الاقتصادي، ومركزية عملتها، وشبكة تحالفاتها، ونفوذها السياسي والدبلوماسي، وقدرتها على التأثير في المؤسسات والأسواق الدولية، وعمالقة التكنولوجيا والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، كلها تجعل صفة القوة الإمبراطورية جزءًا من وعي الدول بها، بما في ذلك وعي خصومها.

وهذه نقطة مهمة، الإمبراطورية المكتملة لا تحتاج إلى إقناع الآخرين بأنها إمبراطورية؛ يكفي أن يتصرف الآخرون معها على هذا الأساس.

ولهذا تدخل الولايات المتحدة الحرب والمفاوضات والتحالفات من موقع قوة تعرف أن مصالحها لا تنتهي عند حدودها الجغرافية. لكنها، في الوقت نفسه، مضطرة إلى احتساب مصالح حلفائها، وحركة الأسواق، وأسعار الطاقة، والرأي العام الأمريكي، والكونغرس، ومواقف الدول التي تقوم عليها شبكتها الدولية. فالقوة الأمريكية هائلة، لكنها قوة مرتبطة بمنظومة مصالح واسعة؛ ولذلك لا تستطيع إدارتها أن تتصرف وكأن العالم خارج حساباتها.

أما إيران فحالها مختلفة تمامًا.

إيران لا تدير إمبراطورية مكتملة بقدر ما تحاول منذ عقود بناء مجال نفوذ إمبراطوري واستعادة صورة متخيَّلة لماضٍ إمبراطوري. لكنها لا تمتلك الأدوات الاقتصادية والعسكرية والمؤسساتية التي تمتلكها الإمبراطوريات الكبرى، ولذلك اعتمد نظامها أساسًا على أداة أخرى، الأيديولوجيا المذهبية العابرة للحدود.

ومن هذه الأيديولوجيا بنت شبكتها في العراق ولبنان وسوريا واليمن وغيرها، وحوّلت الجماعات المسلحة والولاءات المذهبية إلى بديل عن القواعد العسكرية التقليدية والتحالفات بين الدول.

لكن هذه الأداة نفسها بدأت تتحول من مصدر قوة إلى مصدر استنزاف. فالمشروع الذي كان يفترض أن يمد النفوذ الإيراني داخل العالم الإسلامي، مستفيدًا من شعار «المقاومة» وفلسطين والصراع مع إسرائيل، أسهم مع مرور الزمن في تعميق الشروخ المذهبية والسياسية بين إيران وقطاعات واسعة من الدول والمجتمعات الإسلامية. كما أن استعداد طهران للتضحية بأدواتها الإقليمية، عندما تقتضي مصلحة النظام ذلك، كشف تدريجيًا حدود خطاب «المقاومة» أمام حقيقة المصلحة الإيرانية العليا.

وحتى استدعاء الماضي الإمبراطوري يحتاج إلى مراجعة؛ لأن تاريخ المجال الإيراني القديم أوسع بكثير من اختزاله في «إمبراطوريات فارسية» متعاقبة. فالدول والإمبراطوريات التي قامت في ذلك المجال لم تكن جميعها فارسية بالمعنى القومي الذي أسقطته السرديات الحديثة عليها لاحقًا، بل كانت فضاءات متعددة الشعوب والجغرافيات والثقافات.

من هنا تظهر المفارقة الأساسية في الحرب الحالية.

أمريكا تحارب باعتبارها قوة عظمى تريد الحفاظ على نظام واسع من المصالح؛ أما النظام الإيراني فيحارب باعتباره مشروعًا أيديولوجيًا يعتبر بقاءه ذاته شكلًا من أشكال الانتصار.

وهذا الفارق يغيّر معنى (النصر).

بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية، قد تكون خسارة عشرات الجنود، أو ارتفاع أسعار النفط، أو احتجاج داخلي، أو اعتراض حليف، أو اضطراب الأسواق، عوامل كافية لتغيير مسار الحرب أو وقف عملية عسكرية أو إعادة حساباتها. لأنها تقيس النجاح بمجموعة واسعة من المؤشرات، الكلفة، والنتائج، وموقف الرأي العام، والتحالفات، والاقتصاد، والاستقرار الدولي.

أما النظام الأيديولوجي المغلق فيستطيع اعتماد معيار مختلف تمامًا، ما دام النظام قائمًا، يستطيع إعلان أنه لم يُهزم.

قد تتعرض البلاد للقصف، ويتراجع الاقتصاد، وتُدمّر البنية التحتية، وتُفقد أدوات إقليمية، ويعاني المجتمع سنوات من الفقر والعزلة، ومع ذلك تستطيع السلطة أن تصف مجرد بقائها بأنه «انتصار»، لأن معيارها ليس بالضرورة رفاه الشعب أو قوة الدولة، بل استمرار النظام واستمرار العقيدة السياسية التي تمنحه شرعيته.

ويضاف إلى ذلك فارق جوهري آخر بين الطرفين، فالنظام الإيراني يستطيع أن يحوّل الموت إلى «شهادة» تعزز روايته وتبرر استمرار المواجهة، بينما قد تتحول خسارة عدد محدود من الجنود الأمريكيين إلى أزمة سياسية تضغط على الإدارة وتغيّر استراتيجية الحرب نفسها.

وهنا تكمن، في رأيي، إحدى أكثر المفارقات إهمالًا في قراءة الصراع الأمريكي–الإيراني:

الديمقراطيات الكبرى قد توقف حربًا وهي قادرة على مواصلتها، لأن الكلفة أصبحت أعلى من المصلحة؛ أما النظام الأيديولوجي فقد يواصل حربًا خاسرة، لأن الاعتراف بالخسارة أخطر عليه من الخسارة نفسها.

ولهذا فإن السؤال: «من انتصر، أمريكا أم إيران؟» قد يكون سؤالًا مضللًا إذا لم نحدد أولًا، انتصار وفق معايير مَن؟

فإذا كان المعيار بقاء النظام، تستطيع طهران إعلان النصر حتى فوق أنقاض اقتصادها وأدواتها الإقليمية. وإذا كان المعيار تحقيق الأهداف بأقل كلفة وحماية شبكة المصالح والتحالفات، فإن واشنطن تحسب النصر والخسارة بطريقة مختلفة كليًا.

ومن هنا، لا تكون المقارنة الحقيقية بين قوتين عسكريتين فقط، بل بين قوة إمبراطورية مكتملة تدير شبكة مصالح عالمية، ومشروع إمبراطوري أيديولوجي يحاول تعويض محدودية أدوات الدولة بتوسيع نفوذه العقائدي خارج حدوده.

وهذا، ربما، هو المفتاح الذي يفسر كثيرًا من التناقضات في هذه الحرب، لماذا تستطيع إيران أن تعلن النصر بعد خسائر هائلة، ولماذا تستطيع أمريكا أن توقف ضربة وهي في موقع التفوق، من دون أن تعتبر ذلك هزيمة.

لأن الطرفين، ببساطة، لا يخوضان الحرب بالمفهوم نفسه، ولا يبحثان عن النصر ذاته.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

2/8/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…