الكورد بين تهمة الارتزاق وحق تقرير المصير.. هل التحالف مع القوى الكبرى خيانة أم ضرورة سياسية؟

حسن قاسم
منذ أكثر من قرن، ظلّ الكورد في الشرق الأوسط يعيشون بين مطرقة الجغرافيا وسندان المصالح الدولية. وفي كل محطة مفصلية من تاريخهم، عادت الأسئلة ذاتها إلى الواجهة: هل الكورد مجرد أداة بيد القوى الكبرى؟ هل تحالفاتهم مع واشنطن أو غيرها تجعلهم “مرتزقة”؟ أم أن هذه التحالفات كانت، وما تزال، محاولة واقعية لحماية وجودهم والسير نحو حلم تاريخي مؤجل هو الحرية والاعتراف القومي؟
الوقائع على الأرض تشير إلى أن توصيف القوات الكوردية بالارتزاق هو تبسيط سياسي مجحف، بل يتجاهل السياق التاريخي للصراع. فالمرتزق يقاتل لأجل المال أو المصالح الشخصية، بينما المقاتل الكوردي ـ سواء في قوات سوريا الديمقراطية أو في قوات البيشمركة ـ حمل السلاح أساساً دفاعاً عن الأرض والهوية والوجود، في مواجهة مشاريع الإقصاء أو الإبادة أو التهميش.
صحيح أن قوات قسد ليست قوة كوردية خالصة من حيث التكوين، بل هي تحالف متعدد المكونات، إلا أن العمود الفقري القيادي والتنظيمي فيها تشكل تاريخياً من كوادر حزب الاتحاد الديمقراطي ، الذي تبنى مشروع “الأمة الديمقراطية” المستند إلى رؤية عبدالله اوجلان . هذا المشروع حاول تجاوز القومية التقليدية وبناء نموذج تشاركي بين المكونات.
لكن التطورات الأخيرة أظهرت حدود هذه الفلسفة حين اصطدمت بالواقع السياسي والاجتماعي. فالهويات الفرعية والقومية، عند الأزمات الكبرى، عادت لتفرض نفسها بقوة. الانشقاقات أو التراجع في التماسك داخل بعض القوى غير الكوردية المشاركة في التحالف كشف أن الرهان على أيديولوجيا عابرة للقوميات، دون تأسيس عقد سياسي صلب ومصالح متوازنة، يبقى هشاً.
وهنا تظهر الحقيقة القاسية: ليس لأن “ليس للكوردي إلا الكوردي” بالمعنى العاطفي، بل لأن أي مشروع قومي لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة ذاتية متماسكة أولاً، ثم ينفتح على الشراكات من موقع القوة.
المعضلة الكوردية اليوم ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية واستراتيجية. فالمشهد الإقليمي معقد ، فتركيا ترى في أي كيان كوردي مستقل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.وايران ترفض أي تحرك قد يشجع كوردها على المطالبة بحقوق مشابهة، العراق يعترف دستورياً بإقليم كوردستان لكنه يرفض أي تمدد لفكرة الانفصال.
أما سوريا فما زالت غارقة في إعادة تعريف شكل الدولة بعد سنوات الحرب.
في المقابل، القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية ، تتعامل مع الكورد وفق منطق المصلحة لا الالتزام الأخلاقي. واشنطن دعمت الكورد عندما احتاجتهم في الحرب ضد الدولة الاسلامية ، لكنها في أكثر من مناسبة أظهرت أن هذا الدعم ليس ضمانة دائمة.
هذا لا يعني أن التحالف مع أمريكا كان خطأ، بل يعني أن الخطأ يكمن في تحويل التحالف التكتيكي إلى رهان استراتيجي وحيد.
الحل الواقعي للمسألة الكوردية في الشرق الأوسط لا يبدو اليوم في إقامة دولة مستقلة شاملة، لأن ميزان القوى الإقليمي والدولي لا يسمح بذلك. لكن هذا لا يعني نهاية المشروع القومي. بل قد يمر عبر مسارات أكثر واقعية:
أولاً: بناء أطر سياسية كوردية وطنية مستقلة عن الأيديولوجيات العابرة للحدود، تستند إلى المصالح القومية المباشرة.
ثانياً: توحيد البيت الكوردي في كل جزء من كوردستان على قاعدة التنسيق لا التبعية.
ثالثاً: تحويل مطلب الاستقلال من شعار عاطفي إلى مشروع تدريجي يبدأ بالفيدرالية واللامركزية والاعتراف الدستوري.
رابعاً: إعادة تعريف العلاقة مع واشنطن على أساس المصالح المتبادلة، لا التبعية المطلقة. فاحتمال عودة التحالف مع أمريكا قائم بقوة، خاصة إذا عادت المنطقة إلى موجة جديدة من الصراعات، أو إذا برزت تهديدات جديدة تتطلب شريكاً محلياً فعالاً كما حدث مع داعش.
في النهاية، القضية الكوردية ليست قضية مرتزقة، بل قضية شعب بلا دولة، يعيش بين أربع دول تتقاطع مصالحها على منع ولادة كيانه السياسي. وبينما تتبدل التحالفات الدولية، تبقى الحقيقة الثابتة أن بقاء الكورد مرتبط بقدرتهم على بناء مشروع سياسي واقعي، موحد، ومرن، يجمع بين الحلم القومي وفهم موازين القوى.
فالحرية لا تُمنح، لكنها أيضاً لا تُنتزع بالشعارات وحدها، بل ببناء القوة، وصناعة التحالف، وإدارة التناقضات بذكاء سياسي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…