القضية الكردية: من المظلومية إلى بناء القوة

لاوين ابراهيم

لا يمكن فهم القضية الكردية من خلال عامل واحد، فهي نتاج تفاعل طويل بين ظلم تاريخي تعرض له الكورد، وبين تحديات داخلية رافقت مسيرتهم السياسية عبر العقود. وبين هذين العاملين تشكلت تجربة مليئة بالتضحيات والفرص الضائعة والإنجازات الجزئية التي لم ترتقِ غالباً إلى مستوى الطموحات.

ومن الضروري عند الحديث عن هذه التجربة الاعتراف بحجم التضحيات التي قدمتها أجيال متعاقبة من أبناء الشعب الكردي دفاعاً عن هويتهم وحقوقهم. فهذه التضحيات لم تذهب هباءً، وأسهمت في الحفاظ على حضور القضية الكردية وفي تحقيق مكاسب سياسية وثقافية وإدارية مهمة في أكثر من ساحة. غير أن المشكلة لم تكن في غياب التضحيات، بل في محدودية القدرة على تحويل نتائجها إلى مكتسبات سياسية ومؤسساتية أكثر استقراراً واستدامة.

خلال العقود الماضية، ركز الخطاب الكردي، بحق، على المظالم التي تعرض لها الكورد. لكن التجارب السياسية تُظهر أن عدالة القضية وحدها لا تكفي لضمان نجاحها. فالدول تتعامل وفق مصالحها، والتحالفات تتغير بتغير الظروف، ولا يوجد طرف خارجي مستعد للدفاع عن مصالح شعب أكثر من أبناء ذلك الشعب أنفسهم.

لهذا السبب، فإن مراجعة التجربة الكردية لا تقتضي النظر إلى سياسات الآخرين فقط، بل تستدعي أيضاً التوقف عند التحديات الداخلية التي رافقت العمل السياسي الكردي. فالتنافس الحزبي والانقسامات المتكررة استنزفت في مراحل كثيرة جزءاً من الطاقات التي كان يمكن توجيهها نحو بناء مؤسسات أقوى وتعزيز مساحات العمل المشترك.

ومع ذلك، فإن الدعوة إلى تجاوز الانقسامات يجب أن تنطلق من الواقع لا من الأمنيات. فالمشهد الكردي الحالي تشكل في ظروف سياسية مختلفة، وأنتج مراكز قرار وتجارب متعددة لا يمكن تجاوزها بقرارات سريعة أو شعارات وحدوية.

في هذا الإطار، تبرز دعوات عقد مؤتمر وطني كردي أو إنشاء مرجعية كردية جامعة باعتبارها مطلباً يحظى بتأييد شريحة من الشارع وبعض القوى السياسية. وتعكس هذه الدعوات رغبة مفهومة في إيجاد إطار أوسع للتنسيق وتوحيد المواقف.

لكن نجاح أي مؤتمر أو مرجعية لا يرتبط بإعلانها بقدر ما يرتبط بقدرتها على الاستمرار والقيام بدور فعلي. ولذلك قد لا يكون من الواقعي النظر إلى هذه المشاريع بوصفها نقطة بداية، بل باعتبارها نتيجة محتملة لمسار أطول من بناء الثقة والتفاهم بين القوى السياسية المختلفة.

أما في المرحلة الراهنة، فيبدو أن الأولوية تكمن في توسيع مساحات الحوار والتنسيق في القضايا المشتركة، وتحسين أداء المؤسسات القائمة، وتعزيز القدرة على إدارة المكتسبات الموجودة وحمايتها. فمثل هذه الخطوات قد تبدو محدودة، لكنها أكثر قابلية للتحقق وأكثر قدرة على إحداث أثر تراكمي.

إن التحدي الحقيقي أمام الكورد اليوم لا يتمثل فقط في مواجهة الضغوط الخارجية، بل أيضاً في كيفية استثمار ما تحقق من تضحيات وخبرات ومكتسبات لبناء مستقبل أكثر استقراراً. فالقضية الكردية لم تعد بحاجة إلى إثبات عدالتها، بقدر ما تحتاج إلى تطوير الأدوات القادرة على حماية هذه العدالة وترجمتها إلى نتائج ملموسة.

وبين الطموحات المشروعة والواقع القائم تبقى الحاجة قائمة إلى رؤية عملية توازن بين ما هو ممكن اليوم وما يمكن تحقيقه غداً، لأن نجاح أي مشروع سياسي لا يقاس بحجم أهدافه فقط، بل بقدرته على تحويلها إلى خطوات قابلة للتنفيذ والاستمرار

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الافاضل : الرئيس البارزاني في دمشق ، بدعوة رسمية من الرئيس أحمد الشرع ، واستقبال رسمي في قصر الشعب السوري وحسب البروتوكول الرياسي المعتمد ، الملفت للانتباه هو رفع العلم الكردستاني لأول مرة في تاريخ سورية منذ نشأتها ، لان الحكومات السورية المتعاقبة ودون استثناء حاربت الأكراد وقضيتهم بكل الوسائل وبلاهوادة ومشروعي الإحصاء والحزام العربي ثم…

عبد الرحمن حبش ليس كل قائد يستطيع أن يحول حضوره إلى رسالة وليس كل زيارة تكتب في بروتوكولات السياسة فقط بل هناك زيارات تسجل في ذاكرة الشعوب. لقد جاءت زيارة فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ولقاؤه برئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع لتؤكد أن القضية الكوردية حاضرة بقوة وأنها لا يمكن تجاوزها في أي معادلة تخص مستقبل سوريا والمنطقة….

د. محمود عباس لا يمكن وضع الولايات المتحدة وإيران في كفتي ميزان واحدة، ثم طرح السؤال ببساطة، من ربح الحرب؟ لأن هذا السؤال، بصيغته المباشرة، يفترض منذ البداية أن الطرفين قوتان من طبيعة واحدة، وأنهما تخوضان الحرب بالمفهوم نفسه، وتقيسان الربح والخسارة بالمعايير ذاتها. وهذا، في تقديري، هو موضع الخطأ الأول في معظم القراءات التي تناولت المواجهة بينهما. المسألة أعمق…

لأول مرة في تاريخ سوريا، يكتب الرئيس السوري أحمد الشرع تغريدة باللغة الكردية، بمناسبة زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق. وتكتب اللغة الكردية في سوريا وتركيا بالحروف اللاتينية، وليس بالحروف العربية كما هو الحال في اقليم كردستان العراق، حيث تستخدم السورانية المكتوبة بالأبجدية العربية المعدلة. وفيما يلي نص تغريدة الرئيس السوري أحمد الشرع: أحمد الشرع…