حسين امين
ما استوقفني في منشورات واللقاءات وفيديوهات للبروفيسور والدكتور سربست نبي ليس مضمونه بقدر ما استوقفني سيل التعليقات السلبية التي وصلت إلى حد الإساءة والشتم والسب واللغة المتدنية. فكثير من أصحاب هذه التعليقات، على ما يبدو، لم يستوعبوا جوهر ما طرحه البروفيسور والدكتور سربست نبي، ولم يناقشوا الأفكار الواردة في اللقاء بقدر ما انشغلوا بمهاجمة الشخص ذاته.
بعد أكثر من عشرين الف ضحية بين شهيد ومهجّر، وبعد سنوات طويلة من الوعود المتعلقة بالفيدرالية وروج آفا والحكم الذاتي، وبعد آلاف الأسرى والمعتقلين والمفقودين، أليس من حق أي شخص أن يمارس النقد تجاه زعيم أو مسؤول؟ أليس هذا النوع من التقديس الأعمى ورفض النقد أحد الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم؟
إن ما كان ينبغي أن يكون محل نقاش هو مضمون اللقاء وما طرحه الدكتور من أفكار وقراءات، لا ذلك السيل الجارف من التعليقات الجارحة التي تجاوز كثير منها حدود النقد إلى التجريح الشخصي، وغلبت عليها الانفعالية بدل الموضوعية، وانحدرت إلى مستويات بعيدة عن أدب الاختلاف وأخلاق الحوار.
والحق يقال إن الدكتور سربست يمتلك اطلاعاً معتبراً على التحولات الإقليمية المستقبلية، وقد أصاب في جانب غير يسير من قراءاته الاستشرافية. كما أنه واسع الثقافة والمعرفة التاريخية، ويقدم في تحليله للواقع السوري مقاربات جديرة بالتأمل، وإن لم تخلُ من نقاط قابلة للنقاش والمراجعة.
أما في تشريحه للحالة الكردية، فهو من أكثر الأصوات جرأة وصراحة في كشف مواطن الخلل ونزع الأقنعة عن الأوهام التي أثقلت الوعي الجمعي. إنه يضع الواقع أمامك كما هو، بعيداً عن مساحيق التجميل وخطابات المجاملة؛ فلا يجامل عاطفة، ولا يهادن وهماً، ولا يستر عيباً. وقد يختلف المرء مع بعض استنتاجاته أو تقديراته، لكن إنكار قدرته على النفاذ إلى عمق المعضلة الكردية يبقى نوعاً من المكابرة.
ومن باب الإنصاف، فإنني أكنّ للدكتور سربست كل الاحترام والتقدير لما يتحلى به من شجاعة وجرأة في طرح آرائه ومواقفه، ولما يبديه من حرصٍ واضح على القضية الكردية والدفاع عن حقوق شعبها وأرضها، كوردستان. وقد لا نتفق معه في كل ما يطرحه أو يستنتجه، لكن ذلك لا ينتقص من مكانته الفكرية ولا من صدقه في التعبير عما يؤمن به، ولا من جهوده في تسليط الضوء على القضايا التي تهم شعبه ووطنه.
فإن خالفتَ قراءاته فذلك حقك، فالاختلاف سنة العقول. لكن قبل أن تسارع إلى رفضها، راجع مسلماتك، وفتش في يقينك، وأعد النظر في أدوات قراءتك؛ فلعل الخلل في طريقة الفهم لا في الفكرة المطروحة.
وليس من عادتي أن أكتب في الأشخاص مدحاً أو قدحاً، لكنني أتابع كثيراً من التحليلات والمناظرات السياسية والفكرية، كما أنني من المتابعين للشأن الكردي على وجه الخصوص، لأنه قضية شعبي الذي أنتمي إليه، وقضيتي الشخصية كذلك. فما يصيب هذا الشعب من إنجاز أو إخفاق يعنيني بصورة مباشرة، وكل ما يسيء إليه يمسّني شخصياً كما يمسّ كل كردي يرى في كرامة شعبه جزءاً من كرامته وهويته.
إن الأمم الحية لا تتقدم بتقديس الأشخاص، بل بمساءلة الأفكار ومراجعة التجارب ونقد الأخطاء مهما كانت مكانة أصحابها. أما تحويل كل رأي مخالف إلى مناسبة للتخوين أو الشتيمة، فليس إلا تعبيراً عن أزمة في الثقافة السياسية والاجتماعية قبل أن يكون خلافاً في الرأي أو الموقف.
لذلك، فإن الاختلاف مع الدكتور سربست أو مع غيره ينبغي أن يبقى في إطار مناقشة الفكرة بالحجة والدليل، لا في إطار النيل من الأشخاص والتشكيك في النوايا. فالقضايا المصيرية لا تُخدم بالصراخ ولا بالشتائم، وإنما بالحوار الصادق، والنقد المسؤول، والقدرة على مواجهة الحقائق مهما كانت مؤلمة.