شـــريف علي
تعيش الجماهير الكوردية في غرب كوردستان الذكرى التاسعة والستين لتأسيس أول تنظيم سياسي كوردي في هذه الجغرافيا، ذلك التنظيم الذي شكل رافعة نضالية تاريخية وجسد الطموحات التحررية للشعب الكوردي، ورسخ لأول مرة ملامح العمل السياسي الكوردي المنظم في مواجهة سياسات الإقصاء والإنكار . غير أن هذه الذكرى، بما تحمله من رمزية نضالية عميقة، تتقاطع اليوم مع واقع حزبي مأزوم يتسم بـالتشرذم، التشتت، وغياب الفاعلية النضالية، ما يجعل الحاجة إلى إعادة بناء الشرعية الحزبية واستعادة روح التنظيم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى من خلال تفعيل المحطات الحزبية الشرعية .
تعد المحطات الحزبية- بما فيها المؤتمرات الدورية،الاجتماعات الموسعة،والمراجعات التنظيمية- البنية التحتية الحقيقية لأي حزب سياسي يدعي امتلاك مشروع وشرعية . فهي ليست طقسا تنظيميا ولا مناسبة بروتوكولية، بل تمثل العمود الفقري لإعادة إنتاج الشرعية، وتجديد النخب وضخ الطاقات الشبابية ، وتصحيح المسار، وضبط الإيقاع الداخلي. إن انعقاد هذه المحطات في مواعيدها المحددة وفق الأنظمة الداخلية ليس مجرد التزام إداري، بل هو اختبار صارم لمدى احترام الحزب لقواعده و لقرارات مؤتمره السابق ، وقدرته على إدارة ذاته، واستعداده لمواجهة ذاته قبل مواجهة خصومه. فالحزب الذي يلتزم بمؤتمراته الدورية وبالمعايير الديمقراطية، يعلن عملياً أنه تنظيم حي، قادر على النقد الذاتي، وعلى إعادة تقييم خطابه وسياساته وآلياته التنظيمية، وعلى تجديد قياداته، وعلى وصل ما انقطع بينه وبين قاعدته الجماهيرية.
لكن تعطيل هذه المحطات أو تأجيلها يفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات البنيوية التي لا تمس الشكل التنظيمي فحسب، بل تضرب جوهر الحزب وشرعيته وقاعدته الجماهيرية.
فعلى المستوى الداخلي، يتحول التأجيل المتكرر إلى جمود مؤسسي يجمد المواقع القيادية ويمنع التداول، ويخلق شعورا عام بأن الحزب أصبح أسير زمرة ضيقة غير قابلة للتغيير . ومع الوقت، تتسع الفجوة بين القيادة والكوادر والقواعد ، وتتراجع ثقة الأعضاء بجدوى العمل الحزبي، ويتحول التنظيم إلى جهاز بيروقراطي فاقد للروح .
أما على المستوى الجماهيري، فإن غياب المؤتمرات الدورية يرسل رسالة واضحة مفادها أن الحزب لم يعد قادراً على تجديد نفسه، وأنه يعيش على إرثه التاريخي لا على حيويته الراهنة ومواكبة التغيرات ، ما يؤدي إلى تآكل صورته، وتراجع قدرته على الحشد، وانكماش دوره السياسي.
فالقيادات الحزبية تلجأ إلى تأجيل المحطات الحزبية، لكنها في جوهرها تعكس أزمة عميقة في الثقافة التنظيمية تتجلى في اتجاهات ثلاث ، الخوف من التغيير، إذ تخشى بعض القيادات أن يؤدي انعقاد المؤتمر إلى فقدان مواقعها أو إلى بروز منافسين جد ، والاحتماء بالظروف السياسية والأمنية لتبرير التأجيل، رغم أن هذه الذرائع غالباً ما تكون غطاءً لغياب الإرادة السياسية . و أخيرا ضعف البنية التنظيمية، وهو السبب الأكثر حساسية، إذ قد يكون الحزب غير قادر فعلياً على تنظيم مؤتمر ناجح بسبب تراجع كوادره كما ونوعا ، وافتقاره إلى الجيل الشاب، وغياب قاعدة جماهيرية نشطة، وهذه الحالة تحديداً تكشف أن الحزب لم يعد يمتلك مقومات البقاء كتنظيم سياسي، وأنه تحول إلى رقم وهمي في تعداد الأحزاب، وأن استمرار وجوده الشكلي لا يخدم إلا القيادات التي تستثمر في اسمه لا في مشروعه . والأحزاب التي تصل إلى هذا المستوى من الضعف البنيوي تكون – من منظور – علم التنظيم السياسي – مدعوة إلى حلّ نفسها بدلاً من البقاء كجسم ميت يعرقل تجديد الحياة السياسية.
كما تلجأ بعض القيادات إلى التأجيل بسبب الانقسامات الداخلية التي تغلب عليها اللافكرية، إذ تخشى أن يؤدي انعقاد المؤتمر إلى تفجر الخلافات بدلا من احتوائها. وفي حالات أخرى، يكون السبب مرتبطا بغياب رؤية سياسية واضحة، ما يجعل القيادة غير قادرة على تقديم برنامج جديد أو مراجعة نقدية مقنعة، فتفضل الهروب إلى الأمام عبر التأجيل المستمر.
إن أية قراءة موضوعية لمثل هذا المشهد الحزبي ترجح بأن سبل الحل تبدأ بإعادة الاعتبار للأنظمة الداخلية بوصفها عقدا ملزما لا يمكن تجاوزه . فالمحطة الحزبية مؤتمرا كان أم اجتماعا موسعا ليس خياراً سياسياً بل استحقاقا تنظيميا، وتأجيله يجب أن يكون استثناءً نادرا لا قاعدة . كما يتطلب الأمر ترسيخ ثقافة التداول الداخلي، بحيث يصبح انتقال المواقع القيادية أمرا طبيعيا لا تهديدا . ويجب كذلك إعادة بناء البنية التنظيمية للحزب عبر تأهيل الكوادر، واستقطاب الجيل الشاب، وتفعيل المكاتب، وتوسيع المشاركة القاعدية، بما يجعل انعقاد المؤتمرات أمرا ممكنا لا عبئا . ومن الضروري أيضاً إنشاء آليات مستقلة للرقابة والمساءلة تمنع احتكار القرار، وتضمن أن القيادة لا تستخدم التأجيل كأداة للبقاء في السلطة . ويمكن كذلك اعتماد نماذج مرنة للمؤتمرات، تجمع بين الحضور الفعلي والافتراضي، بما يضمن الاستمرارية حتى في الظروف الصعبة. والأهم هو إعادة وصل الحزب بجمهوره، لأن وجود قاعدة جماهيرية نشطة يشكل ضغطا إيجابيا يمنع تعطيل الاستحقاقات.
إن المحطات الحزبية إن كانت مؤتمرات عامة أو إجتماعات موسعة ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل هي مقياس لشرعية الحزب وقدرته على البقاء فاعلا . وإن تأجيلها المتكرر ليس خللا إداريا بل علامة على أزمة بنيوية تمس رؤية الحزب ودوره ومصداقيته. فالحزب الذي يعجز عن إدارة نفسه لن يكون قادرا على إدارة قضاياه الوطنية، والجمهور الذي يرى مؤسساته تتآكل سيفقد ثقته بها. لذلك، فإن احترام المواعيد الدورية للمؤتمرات والاجتماعات الموسعة ، وتجديد الشرعية الداخلية، وتفعيل آليات المساءلة، ليست ترفا سياسيا بل شرطا وجوديا .فالأحزاب التي لا تجدد نفسها محكوم عليها بالاندثار، أما تلك التي تواجه أزماتها بشجاعة وتعيد بناء مؤسساتها، فهي وحدها القادرة على البقاء في قلب التاريخ لا على هامشه.
—————– 20 حزيران 2026 —————–