بين جيل التأسيس وجيل الكراسي… كيف تغيرت الحركة الكوردية في سوريا؟

فيصل اسماعيل
عندما يُقارن الكورد اليوم بين الجيل المؤسس للحركة الكوردية وبين كثير من القيادات التي تصدرت المشهد لاحقاً، فإن المقارنة لا تكون فقط بين أشخاص أو مراحل زمنية، بل بين عقليتين مختلفتين تماماً في فهم معنى النضال الحقيقي والقضية الوطنية.
فالجيل المؤسس دخل العمل القومي في زمن كان الانتماء للكوردايتي تهمة، وكانت نتيجة النشاط السياسي معروفة مسبقاً: السجن أو المطاردة أو الاغتيال أو المنفى. ومع ذلك، حمل أولئك الرجال القضية الكوردية بإيمان حقيقي، دون انتظار منصب أو مكسب أو نفوذ. لم تكن هناك سلطة توزع الامتيازات، ولا مؤسسات تمنح الرواتب، ولا إعلام يلمع الأسماء. كان هناك فقط شعب محروم وقضية تبحث عمن يضحي لأجلها.
لهذا ضحى الرعيل الأول بكل ما يملك؛ ضحى بماله وعائلته واستقراره، بل وحتى بحياته أحياناً. كانوا يرون أنفسهم خداماً للقضية، لا أوصياء عليها. وكانت قيمة القائد تُقاس بمقدار تضحياته وقربه من الناس، لا بعدد سنوات بقائه على الكرسي.
أما في مراحل لاحقة، فقد تبدلت الكثير من المفاهيم داخل الحركة الكوردية. فتحولت بعض الأحزاب من أدوات للنضال القومي إلى هياكل مغلقة تحكمها المصالح الشخصية والصراعات الداخلية. وأصبح الحفاظ على الموقع الحزبي لدى بعض القيادات أهم من تطوير المشروع الوطني نفسه. فبدل أن يكون الحزب وسيلة لخدمة الشعب، صار الشعب أحياناً مجرد وسيلة لحماية الحزب والقيادة.
الأخطر من ذلك أن جزءاً من القيادات الجديدة لم يعد ينظر إلى القرار الكوردي باعتباره قراراً مستقلاً، بل ربط مصير الحركة بأجندات خارجية وتحالفات تخدم بقاءه السياسي أكثر مما تخدم القضية الكوردية. وهنا ظهر الفرق الكبير بين جيل ضحى من أجل الكورد، وجيل أصبح مستعداً أحياناً للتضحية بالقضية من أجل استمرار نفوذه.
المؤسسون الحقيقيون لم يتمسكوا بالكراسي لأنهم لم يعتبروا أنفسهم مالكين للقضية، بينما تحولت القيادة عند بعض المتأخرين إلى امتياز دائم يصعب التخلي عنه. ولذلك تراجعت روح المبادرة، وضعفت ثقة الشارع بالأحزاب، واتسعت الفجوة بين الشعب والقيادات.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن كل المراحل أنجبت أيضاً شخصيات وطنية مخلصة دفعت أثماناً كبيرة، لكن المشكلة بقيت في سيطرة عقلية المصالح والمحاور على جزء واسع من العمل السياسي الكوردي، ما أفقد الحركة الكثير من بريقها وأهدافها الأولى.
إن استعادة قوة الحركة الكوردية لا تكون عبر تكرار الشعارات القديمة، بل بالعودة إلى انتخاب شخصيات تحمل صفات و روح الرعيل الأول؛ روح التضحية والإخلاص والاستقلالية، ووضع المصلحة القومية فوق المصالح الحزبية والشخصية. فالقضية التي بُنيت بدماء وتضحيات الكبار لا يمكن أن تُحمى بعقلية الكراسي والمكاسب.
وفي النهاية، يبقى التاريخ منصفاً بطريقته الخاصة؛ فهو لا يخلد من تمسكوا بالمناصب، بل يخلد أولئك الذين ضحوا بأنفسهم من أجل شعبهم وقضيتهم. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…