علي شمدين
تحتدم النقاشات هذه الأيام حول آليات تنفيذ المرسوم الرئاسي رقم (143)، الصادر بتاريخ 19 آب 2025، والمتضمن النظام الانتخابي لمجلس الشعب السوري المؤقت، المؤلف من 210 أعضاء يُختارون بطريقة غير مباشرة. إذ يتولى الرئيس السوري المؤقت تسمية ثلث الأعضاء، فيما يُنتخب الثلثان الآخران بصورة غير مباشرة عبر هيئات ناخبة فرعية، بإشراف لجنة عليا للانتخابات كان الرئيس المؤقت نفسه قد قام بتشكيلها.
ولعلّ من أبرز القضايا الإشكالية التي تناولتها هذه النقاشات ــ والتي تكاد تبدو عقيمة بسبب العقلية الإقصائية التي تُدار بها آليات اختيار أعضاء مجلس الشعب السوري المؤقت ــ هي قضية تمثيل الشعب الكردي، الذي يُعدّ ثاني أكبر مكوّن قومي في البلاد، إذ تتجاوز نسبته 15% من السكان. وتبدو هذه الآليات أقرب إلى التعيينات منها إلى الانتخابات الديمقراطية التي يُفترض أن تفضي إلى اختيار ممثلين عن مكوّنات المجتمع السوري بصورة عادلة وشاملة ليكونوا شركاء حقيقيين في إدارة البلاء وليس مجرد مشاركين فقط.
بالرغم من غياب الإحصاءات الدقيقة التي من شأنها تحديد الحجم الحقيقي للوجود القومي الكردي في سوريا، وكذلك تعرّض هذا الوجود لأقسى سياسات التعريب والتغيير الديمغرافي على يد الأنظمة الشوفينية المتعاقبة على حكم البلاد، فإن الكرد لا يزالون يشكّلون الأغلبية في مناطقهم التاريخية، مثل الجزيرة وكوباني وعفرين، فضلًا عن وجود تجمعات كردية كبيرة في مدن ومناطق أخرى، كدمشق وحلب وحماة واللاذقية والرقة وغيرها. ومن هنا، فلا بدّ من أخذ هذا الوجود القومي بعين الاعتبار، إذ إن أيّ إقصاء أو تجاهل له سيقود هذه الانتخابات، كما غيرها من الانتخابات السابقة، إلى طريق مسدود، ولن يُفرز سوى مجلسٍ مشلول لا يمثل إلا لونًا واحدًا، ولا يعكس النسيج الوطني المتنوّع للبلاد.
وفي هذا الوقت الذي تمر فيه البلاد بمرحلة صعبة وكارثية، فإنها بأمسّ الحاجة إلى تشكيل برلمان حقيقي يمثل جميع مكونات الشعب السوري دون إقصاء، ويتولى إعادة العملية السياسية إلى مسارها الصحيح، إضافة إلى الاضطلاع بمهمة صياغة دستور عصري جديد يضع أسسًا ديمقراطية متينة لبناء سوريا الجديدة، التي تسودها العدالة والمساواة، وينتفي فيها القهر والظلم والاستبداد، ويقرّ دستورياً بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في سوريا.
ولكن المؤسف أن الآليات التي اتبعتها اللجان الانتخابية في المناطق الكردية لم تُراعِ خصوصيتها القومية، بل تجاهلت الحجم الحقيقي للشعب الكردي في سوريا، الذي يتجاوز تعداده خمسة ملايين نسمة. فقد جرى تخصيص عدد قليل من المقاعد للكرد في تلك المناطق، فضلًا عن تجاهل التجمعات الكردية الأخرى، وهو ما لا يتناسب مع وجودهم الفعلي في البلاد، ومع حجم التضحيات العظيمة التي قدموها في مواجهة الدكتاتورية والإرهاب. ومثل هذه الآليات المتوارثة من عهد البعث لن تؤدي إلّا إلى إغلاق الأبواب أكثر أمام المشاركة الحقيقية للشعب الكردي في مجمل العملية السياسية، وإقصاء دوره المنشود في بناء سوريا الجديدة، والاكتفاء بمنحه مشاركة شكلية لا أكثر.
وأمام هذه العقلية الإقصائية، التي لا ترى الكرد شركاء في الوطن وإنما مجرد مشاركين، لا بدّ من موقف كردي موحّد يعيد إلى الحركة الكردية هيبتها السياسية واحترامها الجماهيري، اللذين تكاد تفقدهما بسبب تشتتها وانقسامها على نفسها، وتسابق بعض أطرافها على الفوز منفرداً بتلك المقاعد، رغم قلّتها، بدل العمل بشكل جماعي على تفعيل الوفد الكردي المشترك، المنبثق من كونفرانس 26 نيسان 2025، والضغط معاً من أجل انتزاع تمثيل حقيقي يليق بحجم الشعب الكردي ودوره الوطني.
22 نيسان 2026