من يمثل الكورد اليوم… الأحزاب أم الشعب؟

لاوين ابراهيم

في ظل ما نشهده اليوم من فشل متكرر لمؤتمرات “وحدة الموقف والكلمة”، ومن تراجع واضح لدور القوى الكوردية التقليدية، يبرز سؤال لم يعد بالإمكان تجاهله: من الذي فوّض هذه الجهات أصلاً لتقرير مصير الكورد في سوريا؟

لسنوات طويلة احتكرت أحزاب وقوى معينة الحديث باسم الشعب الكوردي، وقدّمت نفسها ممثلاً شرعياً لقضية ملايين الكورد، دون انتخابات حقيقية، ودون مرجعية شعبية واضحة، ودون مشاركة فعلية للشارع الكوردي والنخب المستقلة في رسم مستقبل القضية. ومع مرور الوقت تحولت القضية الكوردية من قضية شعب يطالب بحقوقه القومية والسياسية إلى ملف تتحكم به حسابات حزبية وصراعات نفوذ وارتباطات خارجية.

لا يمكن إنكار أن الإدارة الذاتية استطاعت خلال مرحلة الحرب أن تفرض نفسها كقوة سياسية وعسكرية مستفيدة من الدعم الأمريكي والحرب ضد داعش، لكنها في المقابل لم تنجح في بناء عقد سياسي كوردي جامع، بل اتجهت نحو احتكار القرار وإقصاء الأصوات الأخرى، حتى بدا مستقبل الكورد مرتبطاً بالكامل بالتحولات الدولية أكثر من ارتباطه بإرادة الناس أنفسهم. واليوم، مع تغير أولويات واشنطن وتراجع الحماية السياسية والعسكرية، بدأت تظهر هشاشة هذا الواقع، وبات السؤال مطروحاً بقوة: هل كانت هذه القوى تمثل فعلاً إرادة الشعب أم أنها كانت مجرد سلطات أمر واقع فرضتها ظروف الحرب؟

وفي الجهة الأخرى، لم تستطع الأحزاب التقليدية المعارضة أن تقدم بديلاً مقنعاً أو مشروعاً يوحد الشارع الكوردي، بل بقيت أسيرة الانقسامات والخلافات القديمة، بينما ظل المواطن الكوردي يشعر بأنه غائب عن كل ما يجري باسمه.

الأخطر من ذلك أن الساحة الكوردية باتت تعاني من تضخم حزبي غير طبيعي. عشرات الأحزاب والتنظيمات ترفع الشعارات نفسها تقريباً، لكنها تختلف في الولاءات والمحاور والمصالح، حتى أصبح كثير منها يدافع عن بقائه التنظيمي أكثر من دفاعه عن القضية الكوردية نفسها. وهذا التشتت لم يعد مصدر قوة، بل تحول إلى عبء حقيقي على القضية وعلى ثقة الناس بالحياة السياسية الكوردية.

ومن هنا يصبح من الطبيعي أن يتساءل الشارع الكوردي: إلى متى سيبقى هذا الانقسام؟ وأليس من الأفضل أن تندمج هذه القوى ضمن مشروعين أو ثلاثة واضحة التوجه والبرنامج، تُعرض على الشعب الكوردي ليختار بينها بحرية عبر انتخابات أو مرجعية تمثيلية حقيقية؟

ورغم كل هذا، لا يمكن القول إن الساحة الكوردية خالية من الوعي أو الطروحات السياسية. فخلال السنوات الماضية كتب الكثير من المثقفين والكتاب والسياسيين والنخب الكوردية عشرات المقالات والدراسات التي تناولت الأزمة الكوردية بجرأة، وطرحت حلولاً واقعية تتحدث عن ضرورة الإصلاح السياسي، وإنهاء الاحتكار الحزبي، وبناء مرجعية قومية جامعة، واحترام التعددية، وإشراك الشعب في القرار.

لكن السؤال المؤلم اليوم هو: أين تأثير كل هذه الطروحات على أرض الواقع؟ ولماذا بقيت هذه الأفكار حبيسة المقالات والندوات وصفحات التواصل الاجتماعي دون أن تتحول إلى قوة ضغط حقيقية أو مشروع تغيير فعلي؟

لقد بات كثير من أصحاب هذه الطروحات يشعرون وكأنهم يكتبون في دائرة مغلقة؛ نكرر النقد نفسه، ونطرح الحلول نفسها، بينما الواقع السياسي يزداد تراجعاً وانقساماً. وهنا لا تعود المشكلة فقط في الأحزاب، بل أيضاً في عجز النخب نفسها عن التحول إلى حالة مجتمعية منظمة قادرة على التأثير.

إلى أين نمضي نحن أصحاب هذه الرؤى؟ وهل سنبقى مجرد أصوات تراقب الانهيار وتكتفي بوصفه؟ أم أن اللحظة الحالية تفرض على النخب والمثقفين والشباب الكوردي الانتقال من مرحلة الكتابة الفردية إلى مرحلة الفعل الجماعي المنظم؟

القضية الكوردية اليوم لا تحتاج فقط إلى مقالات جديدة، بل إلى إرادة سياسية ومجتمعية تفرض نفسها على الواقع، وتعيد للشعب الكوردي حقه في اختيار من يمثله وكيف يُدار مستقبله السياسي.

لقد آن الأوان لأن يستعيد الشارع الكوردي صوته، وأن تتحرك النخب والمثقفون والشباب للمطالبة بمرجعية سياسية منتخبة تمثل الناس فعلاً، وتعيد بناء الحياة السياسية الكوردية على أساس الشراكة والتعددية والشفافية، لا على أساس الاحتكار والتخوين والانقسام.

فالكورد ليسوا ملكاً للأحزاب، والقضية الكوردية أكبر من أي تنظيم أو سلطة مؤقتة، ومن حق الشعب الكوردي وحده أن يحدد من يمثله وكيف يُدار مستقبله السياسي

شارك المقال :

5 2 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق ملا تمثل القضية الكردية في سورية إحدى أكثر الملفات حساسية وتشابكاً، ليس فقط بحكم تعقيداتها الداخلية، وإنما أيضاً بسبب تداخلها مع الحسابات الإقليمية والدولية، والإشكالات التاريخية المتعلقة بمفهوم الهوية الوطنية السورية. وعبر العقود الماضية، فشلت أنظمة الحكم المُتعاقبة في تقديم مقاربة وطنية شاملة تنظر إلى الكرد بوصفهم شريكاً في الدولة السورية، له حقوق في التمثيل والإدارة، ما دفع قطاعاً…

خالد حسو   “هناك رجالٌ يمرّون في التاريخ، وهناك رجالٌ يصنعون التاريخ.”   حين يُكتب تاريخ النضال الكوردي، لا يُذكر اسم مسعود بارزاني كزعيمٍ سياسي فحسب، بل كأحد أبرز الرجال الذين حملوا قضية شعبهم في أصعب مراحلها، وحوّلوها من صرخةٍ في الجبال إلى قضيةٍ يسمعها العالم بأسره. هذه ليست حكاية سلطة أو منصب، بل سيرة شعبٍ قاوم الإبادة والتهجير والحصار…

فيصل اسماعيل رفعت الحركة الكوردية منذ ستينات القرن الماضي شعار “عاشت الأخوة العربية الكوردية” للتأكيد أن الكورد لا يعادون العرب، بل يطالبون بشراكة عادلة واعتراف بحقوقهم القومية ضمن الوطن. كان ذلك الشعار قائمًا على فكرة واضحة: وجود شعبين رئيسيين يجب أن تجمعهما علاقة شراكة واحترام متبادل، لا علاقة إنكار وهيمنة. لكن مع صعود فكر عبد الله أوجلان وتجربة حزب الاتحاد…

يسرّني و يشرّفني أن يتم إختياري كشخصيّة حقوقية مستقلة ضمن القائمة النهائية للأعضاء الناخبة في الدوائر الإنتخابية في قامشلو للبرلمان السوري، في مرحلةً حساسة و هامةً جداً تتطلب الصدق و الوفاء و الشجاعة و العمل المخلص من أجل بناء سوريا دولة مدنية تعددية ديمقراطية ، لتكون سوريا لجميع أبنائها بكل مكوناتها. أتوجه بخالص الشكر و العرفان لكل من منحنا الثقة…