القضية الكردية في سوريا والعمل نحو تسوية  وطنية مستدامة

صديق ملا

تمثل القضية الكردية في سورية إحدى أكثر الملفات حساسية وتشابكاً، ليس فقط بحكم تعقيداتها الداخلية، وإنما أيضاً بسبب تداخلها مع الحسابات الإقليمية والدولية، والإشكالات التاريخية المتعلقة بمفهوم الهوية الوطنية السورية. وعبر العقود الماضية، فشلت أنظمة الحكم المُتعاقبة في تقديم مقاربة وطنية شاملة تنظر إلى الكرد بوصفهم شريكاً في الدولة السورية، له حقوق في التمثيل والإدارة، ما دفع قطاعاً واسعاً من الشعب الكردي إلى التموضع خارج الهياكل المركزية، والانخراط في أنماط حكم موازية فُرِضت ضمن ظروف الحرب والفراغ السياسي.

اليوم، ومع التحوّل في بُنية النظام السياسي السوري إثر سقوط نظام الطاغية بشار الأسد، وما يرافقه من مخاض انتقالي وبوادر تشكل نظام إقليمي جديد؛ تُفتح نافذة تاريخية لإعادة تعريف العلاقة بين الشعب الكوردي  والحكومة الإنتقالية الجديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع ، وبجميع مكوِّناتها، ليس على قاعدة الاخضاع أو الإدماج القسريّ ومحو الهوية، وإنما من خلال مقاربة وطنية تأسيسية تُعيد إنتاج هذه العلاقة في إطار “تعاقد سياسي-اجتماعي جديد”، يراعي مبدأ التنوّع والاعتراف، ويعيد إنتاج الدولة باعتبارها ملكية مشتركة بين كافة مكوِّناتها.

هذا وقد شكّل تزامن “كونفرانس القامشلي في 26نيسان 2025 من العام الماضي وانتخاب وفد كردي مشترك للحوار مع الحكومة السورية المؤقتة في دمشق وغيرها من المحطات المحلية والإقليمية والدولية نقطة تحوّل استراتيجية عميقة في المسألة الكردية في سورية، وهو تطور له تداعياته الجوهرية على صعيد السياسة الداخلية السورية والإقليمية. كما وإن قرار إنهاء العمل المُسلّح من قبل حزب العمال الكردستاني، الذي كان يشكّل الرافعة الأساسية السياسية والعسكرية للإدارة الذاتية وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD””، يضع الحركة السياسية الكردية في سورية أمام اختبار جدي لإعادة إنتاج ذاتها وتحديد موقعها ضمن إطار وطني واضح، بعيداً عن الرهانات العابرة للحدود والتأثيرات الإقليمية.

هذا التحوّل يتطلب من القوى السياسية الكردية السورية، وعلى رأسها حزب الاتحاد الديمقراطي “PYD”، والمجلس الوطني الكرديENKS الانتقال من مرحلة الهيمنة الميدانية والإدارة الذاتية  وتقاسم المكاسب والغنائم على حساب الشعب الكردي ومنها الإستحقاق الإنتخابي البرلمان والوزاري، إلى مرحلة المشاركة الفاعلة و إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع الحكومة السورية الجديدة والقوى الكردية الأخرى، بعيداً عن تجارب فرض الأمر الواقع، واستناداً إلى تسوية وتفاهمات تعزز التكامل الوطني وتقلّل من التوترات السياسية والاجتماعية القائمة، وإعطاء الأولوية القصوى للوفد الكردي المنبثق من كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي الممثل الشرعي الأول والوحيد للكرد في سورية ، وعدم الهرولة نحو العاصمة السورية دمشق لتحقيق مكاسب شخصية أنانية حزبية لا تفيد الكرد بشيء.

من جانب آخر، تفرض هذه اللحظة التاريخية على الحكومة السورية الإنتقالية مسؤوليات كبيرة، تتمثل في الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية والقومية للشعب الكردي في سورية والذي يعيش على أرض أبائه وأجداده التاريخية منذ آلاف السنين ، وغيرهم من المكّونات السورية، كجزء أصيل لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية، وفتح نقاشات جديّة حول الترجمة السياسية والقانونية لذلك عملياً.  وبالمقابل، تستدعي هذه اللحظة من جميع الأطراف الكردية ، إعادة النظر بمسؤولية وموضوعية في الفترة السابقة من مجمل الأحداث على الساحة الكردية في كردستان سورية وعلى الساحة السورية بشكل حقيقي وتمثيل سياسي فعَّال، يعزّز المشاركة والتنمية والاستقرار، ويجنِّب التوترات والنزاعات.

ختاماً:

 إن نجاح هذا التحوّل الاستراتيجي يعتمد بشكل كبير على قدرة الجميع على تبني مقاربة وطنية مسؤولة، تساهم في بناء عقد اجتماعي جديد يضمن المساواة لكافة السوريين، ويؤسس لدولة سورية ديمقراطية تعددية لامركزية مستقرة ومتنوّعة، تحترم هويات مكوّناتها جميعاً من (كرد وعرب ودروز وعلويين ومسيحيين وووو ، وتمنع عودة الصراعات العرقية أوالمذهبية أو الطائفية وإشراكهم في مؤسسات الدولة عن طريق إنتخابات حرة وديمقراطية……..

  17/6/2026

Deutschland

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو   “هناك رجالٌ يمرّون في التاريخ، وهناك رجالٌ يصنعون التاريخ.”   حين يُكتب تاريخ النضال الكوردي، لا يُذكر اسم مسعود بارزاني كزعيمٍ سياسي فحسب، بل كأحد أبرز الرجال الذين حملوا قضية شعبهم في أصعب مراحلها، وحوّلوها من صرخةٍ في الجبال إلى قضيةٍ يسمعها العالم بأسره. هذه ليست حكاية سلطة أو منصب، بل سيرة شعبٍ قاوم الإبادة والتهجير والحصار…

لاوين ابراهيم في ظل ما نشهده اليوم من فشل متكرر لمؤتمرات “وحدة الموقف والكلمة”، ومن تراجع واضح لدور القوى الكوردية التقليدية، يبرز سؤال لم يعد بالإمكان تجاهله: من الذي فوّض هذه الجهات أصلاً لتقرير مصير الكورد في سوريا؟ لسنوات طويلة احتكرت أحزاب وقوى معينة الحديث باسم الشعب الكوردي، وقدّمت نفسها ممثلاً شرعياً لقضية ملايين الكورد، دون انتخابات حقيقية، ودون مرجعية…

فيصل اسماعيل رفعت الحركة الكوردية منذ ستينات القرن الماضي شعار “عاشت الأخوة العربية الكوردية” للتأكيد أن الكورد لا يعادون العرب، بل يطالبون بشراكة عادلة واعتراف بحقوقهم القومية ضمن الوطن. كان ذلك الشعار قائمًا على فكرة واضحة: وجود شعبين رئيسيين يجب أن تجمعهما علاقة شراكة واحترام متبادل، لا علاقة إنكار وهيمنة. لكن مع صعود فكر عبد الله أوجلان وتجربة حزب الاتحاد…

يسرّني و يشرّفني أن يتم إختياري كشخصيّة حقوقية مستقلة ضمن القائمة النهائية للأعضاء الناخبة في الدوائر الإنتخابية في قامشلو للبرلمان السوري، في مرحلةً حساسة و هامةً جداً تتطلب الصدق و الوفاء و الشجاعة و العمل المخلص من أجل بناء سوريا دولة مدنية تعددية ديمقراطية ، لتكون سوريا لجميع أبنائها بكل مكوناتها. أتوجه بخالص الشكر و العرفان لكل من منحنا الثقة…