بين “الأخوة العربية الكوردية” و”أخوة الشعوب”… كيف تبدلت القضية الكوردية؟

فيصل اسماعيل

رفعت الحركة الكوردية منذ ستينات القرن الماضي شعار “عاشت الأخوة العربية الكوردية” للتأكيد أن الكورد لا يعادون العرب، بل يطالبون بشراكة عادلة واعتراف بحقوقهم القومية ضمن الوطن. كان ذلك الشعار قائمًا على فكرة واضحة: وجود شعبين رئيسيين يجب أن تجمعهما علاقة شراكة واحترام متبادل، لا علاقة إنكار وهيمنة.

لكن مع صعود فكر عبد الله أوجلان وتجربة حزب الاتحاد الديمقراطي، ظهر شعار جديد هو “أخوة الشعوب”، ليتجاوز مفهوم الشراكة بين قوميتين نحو مشروع أوسع يتحدث عن تعايش جميع المكونات ضمن إطار “الأمة الديمقراطية”.

ورغم الطابع الإنساني لهذا الشعار، إلا أنه عمليًا ساهم في إضعاف القضية الكوردية وتذويبها داخل عناوين عامة وفضفاضة. فالقضية الكوردية ليست مجرد قضية تعايش بين مكونات، بل قضية شعب يمتلك أرضًا وهوية وحقوقًا قومية واضحة. وعندما يجري وضع هذه القضية ضمن خطاب أممي واسع، تتراجع الأولوية السياسية للمطالب القومية الكوردية لصالح مفاهيم عامة عن الإدارة المشتركة والتعايش.

لقد أدى هذا التحول إلى نقل الخطاب الكوردي من المطالبة الصريحة بالاعتراف الدستوري والحقوق القومية، إلى خطاب يركز على “أخوة الشعوب”، في وقت لم تتخلَّ فيه بقية القوى في المنطقة عن مشاريعها القومية أو هوياتها السياسية.

والنتيجة أن الكورد قدموا التضحيات الكبرى في الحرب والسياسة والإدارة، لكنهم لم يحصلوا حتى الآن على اعتراف سياسي حقيقي بحقوقهم القومية، بينما استُخدمت شعارات التعايش لتأجيل هذه الحقوق أو تمييعها.

كما ساهم هذا النهج في إضعاف الهوية السياسية الكوردية نفسها، عبر التعامل بحذر مع مفاهيم مثل “كوردستان” و”الحقوق القومية”، وكأن تمسك الكورد بهويتهم القومية أصبح يتعارض مع المشروع السياسي المطروح.

وفي المقابل، أثبتت التجارب أن كثيرًا من القوى القومية العربية لم تكن مستعدة أصلًا لقبول شراكة حقيقية مع الكورد، سواء تحت شعار “الأخوة العربية الكوردية” أو “أخوة الشعوب”. فالمشكلة لم تكن يومًا في نوعية الشعار فقط، بل في غياب الاعتراف الحقيقي بالكورد كشعب وشريك كامل في الوطن.

لذلك لم يعد المطلوب اليوم إنتاج شعارات جديدة، بل بناء مشروع كوردي واضح يقوم على:

حماية الهوية القومية،

توحيد الصف الكوردي،

فرض الشراكة السياسية كحق،

وعدم السماح بذوبان القضية الكوردية داخل مشاريع أيديولوجية واسعة.

فالتعايش الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية، والشراكة لا تقوم على تمييع الحقوق، بل على الاعتراف المتبادل والتوازن واحترام إرادة الشعوب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جوان عصمت سيدا بحكم عملي السابق في شعبة آثار القامشلي وترأسي للشعبة بين سنوات 2006 – 2010 أود توضيح بعض الحقائق من منظور أثري وقانوني. ينص قانون الآثار السوري رقم ( 222) لعام 1963 وتعديلاته لعام 1999، المستند إلى المبادئ والتشريعات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي ( ان كل مخلف مادي ثابت أو منقول يتجاوز عمره 200 سنة ميلادية أو…

حسن قاسم إن إعلان جماعة متطرفة (العصائب الحمراء) مسؤوليتها عن التفجيرات الأخيرة في دمشق، مع تهديدها بتنفيذ المزيد من العمليات، يجب أن يدق ناقوس الخطر ليس للسوريين وحدهم، بل للمجتمعين الإقليمي والدولي أيضاً. فالإرهاب الذي اعتقد كثيرون أنه هُزم عسكرياً لم يختفِ، بل بقيت خلاياه وأفكاره قادرة على استغلال أي فراغ سياسي أو أمني. لقد أثبتت السنوات الماضية أن القضاء…

مهند محمود شوقي لم تعد المدن الحديثة تُبنى بالخرسانة وحدها، فنجاح المدينة في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس فقط بعدد الطرق والجسور والمباني التي تنشئها، بل بقدرتها على توفير بيئة تجعل حياة الإنسان أكثر جودة واستقراراً. فالمساحات العامة، والطاقة المستدامة، والأمن المائي، والهوية الحضرية، أصبحت اليوم جزءاً من تعريف التنمية بقدر أهمية البنية التحتية التقليدية. ومن هذا المنطلق،…

د. محمود عباس تركيا في الناتو: السلاح، سوريا، إيران، والكورد تتحرك تركيا في قمة الناتو من موقع “الدولة المضيفة”، لا من موقع العضو العادي. فهي تريد أن تعرض نفسها بوصفها عقدة جغرافية وعسكرية وسياسية لا يستطيع الحلف تجاوزها: البحر الأسود، سوريا، القوقاز، الشرق الأوسط، أوكرانيا، ملف الطاقة، وخطوط التماس مع روسيا وإيران. لذلك لن تكون مطالب أنقرة محصورة في بند…