د. محمود عباس
كيف نبني خطابًا كورديًا عالميًا؟
لا يكفي أن تكون القضية عادلة حتى تجد مكانها في العالم؛ فلا بد أن تمتلك اللغة التي تجعل العالم يراها ويفهمها ويتفاعل معها. وهذه واحدة من أكثر الإشكاليات حساسية في المسار الكوردي الحديث؛ فالقضية الكوردية، رغم عمقها التاريخي واتساع مظلوميتها ووضوح حقوقها، لم تتحول بعد إلى قضية عالمية مكتملة الحضور في الوعي السياسي والفكري الدولي.
لا يعود ذلك إلى ضعف القضية ذاتها، بل إلى أن الخطاب الكوردي ظل، في كثير من مراحله، أسير بيئته الإقليمية وصراعاته المباشرة. فقد تشكّل أساسًا في مواجهة أنظمة أنكرت وجود الشعب الكوردي أو حاصرت حقوقه، وكان طبيعيًا أن يتوجه إلى الداخل الكوردي أو إلى المحيط الإقليمي. غير أن العالم اليوم لا يتفاعل مع المظلومية وحدها، مهما كانت عميقة، ما لم تُصَغ بلغة مفهومة ضمن مفاهيم العصر.
في النظام الدولي الراهن، لا تُقاس قوة الخطاب بحرارته أو صدق انفعاله فقط، بل بقدرته على صياغة قضيته ضمن مفاهيم حقوق الإنسان، والعدالة، والديمقراطية، والتعددية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والاعتراف بالهويات التاريخية. ومن لا يدخل إلى العالم من هذه البوابة، يبقى غالبًا محصورًا داخل صوته المحلي، مهما كانت قضيته عادلة.
لذلك، فإن بناء خطاب كوردي عالمي لا يعني مجرد ترجمة البيانات إلى الإنكليزية أو الفرنسية، بل بناء لغة سياسية وفكرية تنقل القضية الكوردية من ملف إقليمي إلى قضية ذات معنى إنساني وسياسي عالمي؛ من خطاب احتجاجي موجّه إلى الخصوم المحليين، إلى خطاب استراتيجي يخاطب العالم بوصفه طرفًا في صناعة الإدراك والشرعية والتأثير.
فالقضية الكوردية ليست شأنًا قوميًا مغلقًا، ولا ملفًا حدوديًا يخص دول المنطقة وحدها، بل قضية شعب تاريخي حُرم من الاعتراف، وقُسّمت جغرافيته، وشُوّهت هويته، وتعرضت لغته وثقافته وذاكرته للاقتلاع. وإذا أُعيد تقديم هذه الحقيقة ضمن إطار عالمي يتحدث عن الحق والعدالة والتعددية ورفض الإقصاء، فإنها تصبح أكثر قدرة على فرض نفسها في النقاشات الدولية الجدية.
لكن هذا الانتقال يحتاج إلى أدوات ومؤسسات. فالحركات التي نجحت في جعل قضاياها جزءًا من الوعي العالمي لم تعتمد على الشعارات وحدها، بل بنت شبكات مع الجامعات، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الحقوقية، والجاليات، والفاعلين الثقافيين. أي أنها لم تكتفِ بإعلان وجودها، بل صنعت الوسائط التي تجعل هذا الوجود مستمرًا ومقنعًا ومؤثرًا.
وهنا تمتلك الجاليات الكوردية في أوروبا وأمريكا دورًا مهمًا لم يُستثمر بعد كما ينبغي. فهي ليست امتدادًا اجتماعيًا أو عاطفيًا فقط، بل يمكن أن تكون جسرًا بين القضية الكوردية والعالم، إذا خرج دورها من العفوية والمبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم. ففي داخل هذه الجاليات طاقات علمية ومهنية وثقافية وإعلامية وقانونية قادرة على نقل القضية من الهامش إلى مواقع التأثير.
غير أن النشاط الكوردي في الخارج ما يزال غالبًا محكومًا بالعمل الحزبي الضيق الذي يعمق الخلافات والتآكل الداخلي، أو الجهود الفردية المتفرقة، أو ردود الأفعال الموسمية. والمطلوب اليوم خطاب يتجاوز اللحظة، يعمل على المدى الطويل، ويربط بين المظلومية التاريخية والرؤية المستقبلية. فالعالم لا يتفاعل باستمرار مع القضية التي تصرخ فقط، بل مع القضية التي تعرف كيف تقدم نفسها بوصفها جزءًا من سؤال عالمي أكبر.
وفي غربي كوردستان، تبدو هذه الحاجة أشد إلحاحًا. فالتجربة التي نشأت هناك لم تعد شأنًا محليًا داخل سوريا، بل أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول الحكم المحلي، والإدارة الذاتية، والتعددية السياسية، ومواجهة التطرف، وحدود الدولة المركزية في الشرق الأوسط. وهذا يفتح أمام الخطاب الكوردي فرصة أن يقدّم التجربة لا كقضية مطلبية فقط، بل كخبرة سياسية واجتماعية يمكن أن تدخل في النقاش العالمي حول مستقبل المنطقة.
غير أن ذلك يتطلب مراجعة في اللغة والأسلوب. فليس كل ما يقال في الداخل يصلح للعالم، وليس كل خطاب تعبوي قادرًا على أن يُفهم دوليًا. العالم يحتاج إلى لغة أوسع، أقل انفعالًا، وأكثر قدرة على الربط بين خصوصية القضية والقيم المشتركة؛ لغة تقدم التجربة الكوردية بوصفها جزءًا من بحث أوسع عن العدالة والاستقرار والتعددية، لا مجرد صراع محلي على السلطة أو الجغرافيا.
إن الخطاب الذي يصل إلى العالم هو الخطاب الذي يربط بين المحلي والإنساني العام؛ بين معاناة شعب معين، والمبادئ التي يستطيع العالم أن يرى نفسه فيها. وحين تُقدَّم القضية الكوردية بوصفها قضية شعب يريد الاعتراف بهويته، وحقه في إدارة شؤونه، وحماية لغته وثقافته، والمساهمة في بناء نموذج أكثر عدالة في منطقة مضطربة، فإنها تصبح أكثر قابلية للفهم والدعم.
وهذا لا يتحقق عبر البيانات السياسية وحدها، بل عبر جهد متراكم، إعلام كوردي أكثر مهنية في مخاطبة الخارج، دراسات أكاديمية حول القضية الكوردية، مؤسسات تفكير وبحث، متحدثون قادرون على مخاطبة العالم، وعلاقات أوسع مع الجامعات والمؤسسات الحقوقية ودوائر التأثير السياسي والثقافي.
فالعالم الحديث لا يتفاعل مع الوقائع وحدها، بل مع الصور التي تصاغ حولها، والروايات التي تفسرها، واللغة التي تقدمها. لذلك، فإن بناء خطاب كوردي عالمي ليس مسألة إعلامية هامشية، بل جزء أساسي من إعادة تعريف النضال الكوردي نفسه.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه الحركة الكوردستانية اليوم لم يعد فقط، كيف نحافظ على قضيتنا داخل حدودنا؟ بل، كيف نجعل هذه القضية مفهومة ومحترمة وقابلة للدفاع عنها في العالم كله؟ وكيف نحول الخطاب الكوردي من خطاب يتحدث عن نفسه فقط، إلى خطاب يجعل العالم يرى في هذه القضية جزءًا من نقاشه حول الحرية والعدالة وحقوق الشعوب؟
ففي عصر تتشكل فيه الشرعية عبر اللغة والصورة والمعنى، يصبح الخطاب نفسه ساحة من أهم ساحات النضال. ومن لا يحسن تقديم نفسه للعالم، يبقى معرضًا لأن يُقدَّم عبر لغات الآخرين ومصالحهم، لا عبر صوته هو.
يتبع…
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
11/3/2026م