عزالدين ملا
يبرز الملف الكوردي في سوريا كأحد أكثر الملفات تعقيداً وتأثيراً في آنٍ معاً. فالمسألة الكوردية لم تعد شأناً مطلبياً جزئياً بل تحولت إلى واجهة تعكس عمق الأزمة السورية، كـأزمة هوية وأزمة نظام سياسي وأزمة عقد اجتماعي متهالك.
إن العودة إلى طرح فكرة المرجعية الكوردية لا يمكن فصلها عن لحظة تاريخية يحاول فيها السوريون بكل مكوناتهم، إعادة صياغة موقعهم داخل الدولة أو خارجها. الكورد عاشوا لعقود في هامش الدولة يجدون أنفسهم اليوم أمام اختبار غير مسبوق، هل يستطيعون الانتقال من موقع الضحية التاريخية إلى موقع الفاعل السياسي المؤسس؟
المرجعية الكوردية، في هذا الإطار ليست مجرّد بنية تنظيمية لتنسيق المواقف بل هي محاولة لإنتاج مركز ثقل سياسي قادر على تحويل الكتلة الكوردية من حالة التبعثر إلى حالة الفعل. إنها تعبير عن إدراك متأخر نسبياً بأن التعدُّد في التمثيل رغم ما يحمله من غنى نظري قد تحول عملياً إلى عامل إضعاف في سياق سياسي شديد التعقيد. في بيئة تفاوضية مثل الحالة السورية لا يُكافئ الصوت المتعدد بل يُستثمر فيه لتفتيت الموقف. من هنا، فإن الهدف الأساسي للمرجعية لا يكمن فقط في توحيد الخطاب بل في احتكار التمثيل السياسي الكوردي بشكل مشروع بما يمنحها القدرة على فرض نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة.
لكن هذا الاحتكار المشروع يطرح إشكالية دقيقة، كيف يمكن بناء مرجعية موحدة دون إلغاء التعددية الداخلية؟ هذا السؤال يفتح على معضلة بنيوية داخل الحركة السياسية الكوردية، التي عاشت تاريخياً على إيقاع الانقسام بين مدارس سياسية مختلفة، بعضها مرتبط برؤى أيديولوجية ومتأثر بعلاقات إقليمية متشابكة وبعضها الآخر يرى ان الحقوق الشرعية للكورد يتم من خلال النضال السياسي والتفاوض. المرجعية، إذا أرادت أن تكون فاعلة يجب أن تعيد تعريف مفهوم الوحدة ذاته.
يمكن قراءة مخرجات كونفرانس وحدة الصف الكوردي في نيسان 2025 كخطوة أولى في اتجاه هذا التحول لكنها ليست كافية بحد ذاتها. أهمية المؤتمر تكمن في كسره لحاجز نفسي وسياسي تراكم على مدى سنوات وفي تقديمه نموذجاً أولياً لإمكانية التوافق. غير أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد لحظة التوافق، عندما يصبح المطلوب هو ترجمة هذا التوافق إلى آليات عمل مستدامة. التجربة الكوردية في سوريا كما في مناطق أخرى تُظهر أن التوافقات التي لا تُبنى على مؤسسات غالباً ما تنهار عند أول اختبار جدي، خاصة في ظل بيئة إقليمية لا تشجع على وحدة القرار الكردي بل غالباً ما تسعى إلى احتوائه أو توجيهه.
هنا يظهر البعد الإقليمي كعامل حاسم في تشكيل مستقبل المرجعية الكوردية. فالقضية الكوردية في سوريا لا تتحرّك في فراغ بل تتقاطع مع مصالح دول إقليمية فاعلة لكل منها تصورها الخاص لكيفية إدارة هذا الملف. بعض هذه القوى ينظر إلى أي شكل من أشكال التنظيم السياسي الكوردي بعين الريبة، ويخشى أن يتحول إلى نموذج قابل للامتداد خارج الحدود السورية. في المقابل، هناك قوى دولية قد ترى في توحيد الموقف الكوردي عاملاً إيجابياً لاستقرار مناطق معينة، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في صعود فاعل سياسي مستقل يصعب التحكم به. ضمن هذه المعادلة تجد المرجعية الكوردية نفسها أمام تحدي الحفاظ على استقلالية قرارها دون أن تنعزل عن التوازنات الإقليمية التي لا يمكن تجاهلها.
أما على المستوى الداخلي، فإن التحديات لا تقل تعقيداً. فالتباينات بين القوى الكوردية لا تتعلق فقط بالبرامج السياسية بل تمتد إلى أدوات العمل ونمط الإدارة والعلاقة مع المجتمع المحلي. هناك فجوة في بعض الأحيان بين الخطاب السياسي والنسيج الاجتماعي، حيث لا تزال بعض القوى تعاني من ضعف في تمثيل القاعدة الشعبية أو في تجديد نخبها. المرجعية إذا أرادت أن تكون ذات معنى يجب أن تعالج هذه الفجوة وأن تتحول إلى إطار لا يضم الأحزاب فقط بل يفتح المجال أمام الفاعلين المجتمعيين من منظمات مدنية ونخب فكرية وفعاليات شبابية ونسوية. دون ذلك قد تتحول إلى كيان فوقي يعيد إنتاج الأزمة بدل حلها.
في قلب هذا المشهد تبرز معادلة التوازن بين المطالب القومية الكوردية ومتطلبات الشراكة الوطنية السورية كأحد أكثر التحديات حساسية. فالكورد وهم يطالبون بحقوقهم المشروعة يدركون أن أي طرح يُفهم على أنه نزعة انفصالية قد يُستخدم لتهميشهم سياسياً. في المقابل فإن التنازل المفرط عن هذه الحقوق قد يُفقدهم ثقة قاعدتهم الشعبية. المرجعية الكوردية مطالبة هنا بصياغة خطاب مزدوج الذكاء، واضح في تحديد الحقوق ومرن في تقديمها ضمن إطار وطني. أي أن تربط بين اللامركزية أو أي صيغة حكم مقترحة وبين مصلحة جميع السوريين لا الكورد فقط.
ضمن هذا الإطار، يصبح دور الوفد الكوردي المشترك محورياً لأنه يشكل الواجهة العملية لهذا المشروع. هذا الوفد لا يختبر فقط قدرته على التفاوض بل أيضاً مدى تماسك المرجعية التي يفترض أنه يمثلها. في حال نجح في تقديم نفسه كصوت موحد يمكن أن يعيد رسم موقع الكورد داخل العملية السياسية من موقع التابع أو المُستَخدَم إلى موقع الشريك. لكن هذا النجاح مشروط بامتلاكه أدوات تفاوض حقيقية، رؤية واضحة وأولويات محددة وقدرة على المناورة دون فقدان البوصلة.
كما أن فعالية الوفد تتوقف على قدرته في بناء تحالفات عابرة للهويات الضيقة. التجربة السورية أظهرت أن أي مكوّن مهما كان حجمه لا يمكنه فرض مشروعه منفرداً. من هنا، فإن على الوفد الكوردي أن ينخرط في حوار عميق مع القوى العربية والسريانية وغيرها، ليس فقط لتأمين دعم لمطالبه بل للمساهمة في صياغة مشروع وطني مشترك. هذا يتطلب لغة سياسية جديدة تتجاوز خطاب المظلومية إلى خطاب الشراكة دون أن تنكر الأولى أو تتخلى عنها.
يمكن القول إن فكرة المرجعية الكوردية تقف عند تقاطع مسارين، مسار داخلي يتعلق بإعادة بناء الذات السياسية الكوردية ومسار وطني يتعلق بإعادة تعريف العلاقة مع الدولة السورية. نجاح هذا المشروع يعتمد على قدرته في الربط بين المسارين دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فإذا نجحت القوى الكوردية في بناء مرجعية حقيقية قائمة على التمثيل الفعلي والمؤسساتية والمرونة السياسية فإنها لن تعيد فقط تشكيل موقع الكورد في سوريا بل قد تساهم في إعادة تشكيل سوريا نفسها كدولة أكثر تعددية وعدلاً. أما إذا تعثرت هذه المحاولة فإن الخسارة لن تكون كوردية فقط بل سورية بامتياز.