حين يتحول الحزب من وسيلة إلى غاية

لوند حسين*

لا يحتاج المُتابع للحالة السياسية الكُردية في كُردستان (روژآڤا/سوريا) إلى كثيرٍ من التدقيق كي يلحظ حجم التشرذم والتراجع الذي أصاب الحركة الحزبية الكُردية خلال السنوات الماضية؛ فالتكاثر المستمر في عدد الأحزاب لم يعد يُنظر إليه بوصفه دليلاً على حيوية سياسية أو تعددية ديمقراطية، بل بات يُجسّد حالة من العجز عن بناء مشروع سياسي موحّد وفعّال؛ حتى أنَّ العبارة الساخرة المتداولة شعبياً في روژآڤايي كُردستان: «لكل عائلة حزب»، رغم مبالغتها، إلا أنَّها تعكس جانباً حقيقياً من الأزمة: تضخمٌ عددي يقابله ضعفٌ واضح في التأثير السياسي والتنظيمي.

لكن اختزال المشكلة بالخلافات السياسية وحدها يُعد تبسيطاً للأزمة؛ فالمسألة أعمق من مجرد تباينات في الرؤى أو البرامج، إذ ترتبط بخلل بنيوي في فهم وظيفة الحزب السياسي نفسه؛ ففي التجارب السياسية الناضجة، يُفترض بالحزب أن يكون أداة لتنظيم العمل العام وتحقيق مصالح المجتمع ضمن مشروع واضح ومؤسسات فاعلة، لا أن يتحول إلى غاية قائمة بذاتها، أو إطار ضيق للنفوذ والتمثيل الشخصي؛ غير أنَّ جزءاً مهماً من التجربة الحزبية الكُردية في كُردستان (روژآڤا/سوريا) وقع في هذا المأزق، حيث أصبح الحفاظ على البنية الحزبية والقيادة أولوية تتقدم أحياناً على القضية التي تأسس الحزب من أجلها.

وما يزيد المشهد تعقيداً أنَّ معظم هذه الأحزاب لا تعمل خارج أطر سياسية جامعة، بل تتموضع ضمن تكتلين رئيسيين هما: المجلس الوطني الكُردي ENKS وأحزاب الوحدة الوطنية الكُردية PYNK؛ ومع ذلك، لم تنجح هذه الأطر نفسها في تجاوز ظاهرة الانقسام، بل شهدت انشقاقات متكررة وخلافات أعادت إنتاج الأزمة ذاتها بأسماء وشعارات مختلفة؛ وفي كثير من الأحيان، ظهرت (نسخ متعددة) من الحزب الواحد، تحمل الاسم والخطاب ذاته تقريباً، لكنها تختلف على النفوذ أو المواقع أو طبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية والكُردستانية الأخرى.

هنا يبرز التناقض الأكثر وضوحاً: كيف يمكن لقوى سياسية عاجزة عن الحفاظ على وحدتها الداخلية أن تقود مشروع وحدة كُردية أوسع؟ وكيف تتحول الدعوة اليومية إلى (وحدة الصف الكُردي) إلى شعار دائم، بينما تسير الممارسة السياسية في الاتجاه المعاكس تماماً؟

ولا يمكن فهم هذا الواقع بمعزل عن الظروف المحيطة بالقضية الكُردية في كُردستان (روژآڤا/سوريا)؛ فالحركة السياسية الكُردية لم تعمل يوماً في بيئة مستقرة أو مستقلة القرار بالكامل، إذ تعرضت تاريخياً لضغوط أمنية وسياسية مُمنهجة من الدولة السورية وأجهزتها الأمنية؛ وكان للسيء الذكر اللواء محمد منصورة صيتٌ واسع لدى الأوساط السياسية الكُردية، بوصفه أحد أبرز الشخصيات الأمنية التي لعبت دوراً في سياسة تفتيت وتشتيت الأحزاب الكُردية، عبر تغذية الانقسامات واستثمار الخلافات الداخلية؛ كما تأثرت الحركة السياسية الكُردية بالصراعات الإقليمية، والاستقطابات بين القوى الكُردستانية الكُبرى، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية التي دفعت أحياناً باتجاه تكريس الانقسام بدل تجاوزه؛ لكن وجود هذه العوامل الخارجية، على أهميتها، لا يُعفي القيادات الحزبية من مسؤوليتها، بل يجعل الحاجة إلى رؤية سياسية أكثر نضجاً وإدارة أكثر كفاءة أمراً مُلحّاً.

لقد أنتج هذا الخلل البنيوي حالة من الانقسام المزمن: أحزاب صغيرة، برامج متشابهة، خلافات مُتكررة على قضايا ثانوية، وطاقات تُستنزف في الصراعات الجانبية بدل توجيهها نحو القضايا الأساسية للشعب الكُردي؛ والنتيجة كانت تراجع الثقة الشعبية بالأطر الحزبية، واتساع الفجوة بين الشارع الكُردي والقيادات السياسية، خصوصاً لدى فئة الشباب التي باتت ترى أنَّ كثيراً من الأحزاب تعيش داخل أزماتها الخاصة أكثر مما تعيش هموم الناس اليومية أو التحديات المصيرية للقضية الكُردية.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن مشروع سياسي كُردي جامع أو عن تحقيق مكاسب قومية حقيقية أمراً بالغ الصعوبة، ان لم يكُن من المُستحيلات؛ فالتعددية السياسية يمكن أن تكون مصدر قوة عندما تقوم على التنافس البرامجي والرؤى المختلفة، لكنها تتحول إلى عبء عندما تصبح مجرد تشظٍ تنظيمي يفتقر إلى الفاعلية والتنسيق والحد الأدنى من التوافق الكُردي-الكُردي.

إنَّ استمرار هذا المسار لا يعني سوى المزيد من الضعف وفقدان التأثير، خصوصاً في بيئة إقليمية معقدة لا تمنح الأطراف المشتتة مساحة كبيرة للحضور أو التفاوض؛ لذلك، فإنَّ أي محاولة جدية للخروج من هذه الأزمة يجب أن تبدأ أولاً بالاعتراف الصريح بوجودها، بعيداً عن لغة الإنكار أو تحميل المسؤولية للطرف الآخر فقط.

ومن هنا، تبدو المراجعة السياسية الشاملة ضرورة لا يمكن تأجيلها؛ مراجعة تتضمن تقييماً حقيقياً لتجربة العقود الماضية، ولأداء القيادات الحالية، ومدى قدرتها على مواصلة العمل وتحقيق الحد الأدنى من الأهداف القومية الكُردية؛ وفي هذا السياق، فإنَّ استعداد بعض القيادات للتنحي أو إفساح المجال أمام وجوه جديدة وشابة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه هزيمة، بل باعتباره خطوة شجاعة ومسؤولة في سبيل تجديد الحياة السياسية؛ فالإصرار على البقاء في مواقع القيادة رغم الفشل أو الجمود لا يحمي الأحزاب، بل يسرّع من تآكلها وفقدانها للثقة الشعبية.

وبالتوازي مع ذلك، تبرز الحاجة إلى فتح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات والأكاديميين والمختصين في القانون والعلاقات الدولية والإدارة السياسية، ممن يمتلكون رؤية أكثر واقعية وقدرة على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية؛ فالتجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع التجارب السابقة، بل الاستفادة منها ضمن دور استشاري، من دون أن تتحول القيادات القديمة إلى مراكز قرار موازية تُعطّل أي محاولة للتغيير والتجديد.

أما على المستوى العملي، فإنَّ المطلوب اليوم ليس بالضرورة دمج جميع الأحزاب في إطار واحد، وهو أمر قد يكون غير واقعي في الظروف الحالية، بل الاتفاق على حد أدنى من الثوابت السياسية المشتركة، وآليات تنسيق واضحة، وبرنامج عمل يُعبّر عن المصالح الأساسية للشعب الكُردي في كُردستان (روژآڤا/سوريا)؛ فبدون هذا الحد الأدنى من التوافق، سيبقى الانقسام هو القاعدة، وسيظل التأثير السياسي محدوداً مهما ارتفع عدد الأحزاب والشعارات.

إنَّ أزمة الانشقاقات داخل الحركة السياسية الكُردية ليست تفصيلاً عابراً أو مشكلة تنظيمية مؤقتة، بل تعبير واضح عن أزمة بنيوية في الثقافة والممارسة السياسية؛ ومعالجة هذه الأزمة تتطلب شجاعة في النقد، واستعداداً فعلياً للتغيير، وإعادة تعريف دور الحزب بوصفه وسيلة لخدمة الشعب الكُردي والدفاع عن حقوقه، لا كملكية خاصة أو غاية قائمة بذاتها.

فاستمرار الحركة السياسية الكُردية في إعادة إنتاج الانقسامات ذاتها، بالعقليات ذاتها، سيُبقيها تدور في حلقة مغلقة من التراجع وفقدان التأثير؛ وحدهُ النقد الجريء، والتجديد الحقيقي، والانتقال من عقلية النفوذ الحزبي الضيق إلى عقلية المشروع القومي الكُردي، يمكن أن يفتح الباب أمام عمل سياسي كُردي أكثر جدية وفاعلية في كُردستان (روژآڤا/سوريا).

 

ألمانيا: 17 أيار 2026

* صحفي وكاتب كُردي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…