علي شمدين
من المعلوم أن الواقع الذي تعيشه الحركة الكردية في سوريا اليوم، من التشتت والتمزق والانقسامات، قد تجاوز حدود المنطق السياسي والأصول التنظيمية المعروفة، الأمر الذي يكاد يفقدها شرعية تمثيل القضية التي من أجلها بادر المؤسسون الأوائل إلى الإعلان عن انطلاقتها منذ ما يقارب ستة عقود، وقد شكلت الأنانيات الشخصية والحزبية الشرارة الأولى التي أضرمت الخلافات داخل صفوفها، ولسنا هنا بصدد عرضها وتشريحها، الأمر الذي وفرّ الأرضية المناسبة للتدخلات الخارجية هنا وهناك، والتي لم تتأخر بدورها عن صبّ الزيت على تلك الخلافات وتأجيج نيرانها. وقد كان ذلك سهلاً وميسوراً كما توقعه ضابط الأمن السياسي في الجزيرة (محمد طلب هلال)، أوائل الستينيات من القرن المنصرم.
لا شك، أن الجهات الخيرة داخل صفوف الحركة الكردية في سوريا وخارجها، لم تستسلم لهذه الآفة التي تفشت في جسدها، وظلت تجاهد بإمكاناتها المتواضعة من أجل مواجهتها وتعرية مفتعليها، وسعت إلى إيجاد أطر تجمع تحت مظلتها مختلف الأحزاب والتنظيمات، وقد نجحت تلك الجهود بداية الأزمة السورية في استقطاب تلك الأطراف من دون استثناء داخل إطارين معروفين هما المجلس الوطني الكردي، ومجلس غرب كردستان، اللذين تمكنا من التوصل فيما بينهما إلى اتفاق تمخض عنه تشكيل قيادة مشتركة سميت بـ(الهيئة الكردية العليا).
غير أن الجهات المتضررة من هذا الاتفاق سرعان ما استنفرت، وعملت كل جهدها من أجل إجهاض هذا الاتفاق، وقد كان لها ما أرادت، مع الأسف الشديد، لا بل أكثر من ذلك، حولت الإطارين إلى حاضنة دافئة لتنامي ظاهرة الانشقاقات التي فعلت فعلها المدمر بتجزئة المجزأ، حتى باتت لائحة الانشقاقات تتجاوز اليوم مائة حزب، وهي بمعظمها أحزاب إنترنيتية. ولعل رسالة ممثلية إقليم كردستان للمجلس الوطني الكردي في سوريا، الموجهة إلى مؤتمره الثالث، بتاريخ (13/6/2015)، تكشف هذه الحقيقة المرة بوضوح وجرأة، إذ جاء فيها حرفياً: (تحول المجلس إلى حاضنة للمزيد من الانشقاقات، وملاذاً لإيواء المجموعات المنشقة ومنحها الشرعية، بدلاً من وضع حد لها وتوحيدها، بسبب غياب التوافق والثقة المتبادلة بين أطرافه وبروز عقلية التكتل والتنافس على كسب الأصوات..إلخ).
وظلت الجهات الخيرة تبذل جهودها من دون يأس أو ملل من أجل وضع حد للخلافات الحزبية الضيقة التي تفرق صفوف الحركة الكردية في سوريا، حتى تتمكن من الارتقاء بنضالها إلى مستوى المتغيرات الجذرية التي باتت ترسم الملامح الرئيسية لسوريا المستقبل، وخاصة بعد سقوط النظام البعثي، وتسلم هيئة تحرير الشام الحكم في البلاد، فنجحت تلك الجهود مرة أخرى في الضغط باتجاه عقد كونفرانس (26 نيسان 2025)، الذي حضره ممثلو مختلف المكونات السياسية والثقافية والاجتماعية، وممثلو الأطراف الكردستانية الرئيسية، وممثل التحالف الدولي لمحاربة داعش، وتمخض عن وثيقة سياسية مشتركة، وتشكيل وفد مخول من هذا الكونفرانس للحوار مع الحكومة الانتقالية المؤقتة. ولهذا فقد شكل الكونفرانس، بالرغم من جوانب القصور والخلل في آليات التحضير له، إلا أنه شكل محطة تاريخية على طريق وحدة الصف والموقف الكردي في سوريا، وقد صفق له الكرد وأصدقاؤهم في كل مكان.
وها نحن نقف قلقين أمام مفترق طرق كارثي وخطير، سببه الرئيسي هو الأنانيات الحزبية وعقلية المناصفة وتوزيع الحصص من خلال العبث بنتائج الكونفرانس الكردي، وانتهاك مخرجاته، وخاصة من جانب بعض الأطراف التي تعمدت تجميد الوفد الكردي، وتجاوزت وثيقته السياسية المشتركة، وبدأت بالتسابق بشكل منفرد في التواصل مع الحكومة الانتقالية المؤقتة طمعاً في المناصب الإدارية رغم أهميتها، وبذلك انجرت من حيث تدري أو لا تدري إلى مصيدة النظام القائم في دمشق والذي يسرّه استقبال تلك الأطراف الكردية بشكل منفرد، ويهمه تفريغ القضية الكردية من كل محتوى قومي والتعامل معها كقضية إدارية محلية ليس إلا.
وأمام استمرار حالة التشتت والإنقسام بين أطراف الحركة الكردية في سوريا، وخاصة بين أطرها السياسية القائمة، فإن الجهات الحريصة على مستقبل الشعب الكردي في سوريا، والتي يهمها حلّ قضيته القومية دستورياً، مدعوة اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى الضغط بكل الوسائل السلمية والمدنية الممكنة من أجل قطع الطريق أمام أيّ طرف يحاول التفرد في التواصل مع الحكومة المركزية المؤقتة من أجل الحصول على مكاسب ذاتية، أو يدعي أنه يمثل القضية الكردية في سوريا خارج نتائج كونفرانس نيسان 2025، الذي استطاع، ولأول مّرة، أن يبلور النواة الرئيسية لبناء الشخصية الاعتبارية للحركة الكردية في سوريا، وذلك من خلال تشكيل الوفد الكردي المشترك، واستطاع أيضاً أن يضع الخطوط العريضة للقرار الكردي الموحد في إطار الوثيقة السياسية المشتركة التي تعكس خصائص نضال الشعب الكردي في سوريا، على الصعيدين القومي والوطني، والذي لا يزال محروماً حتى من الكتابة بلغته الأم على لوحة تعريفية لدائرة رسمية في مدينة كردية كمدينة الحسكة، وتقع على عاتق هذه الجهات الكردية، السياسية والثقافية والاجتماعية، مسؤولية الدفاع عن مخرجات هذا الكونفرانس، وتفعيل الوفد الكردي المنبثق عنه.
15 آيار 2026