المرجعية السياسية الكوردية في سوريا بين الحاجة الوطنية وشروط النجاح

حسن قاسم
يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان مأمولاً منه.
من حيث المبدأ، فإن وجود مرجعية سياسية موحدة يمكن أن يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنها قد تمنح القرار الكوردي قدراً من التماسك، وتوفر عنواناً سياسياً قادراً على مخاطبة الداخل السوري والقوى الدولية والإقليمية. لكن نجاح هذه الخطوة لا يتحقق بمجرد إعلانها، بل يتوقف على الأسس التي ستُبنى عليها، والآليات التي ستعتمد في تشكيلها وإدارتها.
أول شرط لنجاح أي مرجعية جديدة هو ألا تكون مقتصرة على القيادات الحزبية التقليدية وحدها، لأن التجربة أثبتت أن احتكار القرار من قبل دائرة ضيقة كان أحد أسباب الإخفاق المتكرر. المطلوب اليوم توسيع المشاركة لتشمل شخصيات وطنية مستقلة، وأكاديميين، وممثلي المجتمع المدني، وأصحاب الخبرة والكفاءة، إلى جانب القوى السياسية.
وثاني الشروط، أن يتم تشكيل لجنة مستقلة ومحايدة تتولى الإشراف على عملية التأسيس، وتكون بعيدة عن نفوذ الأحزاب وصراعاتها. هذه اللجنة يمكن أن تضطلع بعدة مهام أساسية، في مقدمتها إجراء استطلاع أو استفتاء لعينة مجتمعية واسعة لمعرفة موقف الشارع الكوردي من فكرة تشكيل المرجعية، لأن أي جسم سياسي لا يستند إلى رأي الناس سيفقد شرعيته سريعاً.
أما الخطوة الأهم، فهي اعتماد صيغة انتخابية شفافة لاختيار أعضاء المرجعية، بدلاً من أسلوب التعيين والمحاصصة الذي أضعف كثيراً من المؤسسات السابقة. فالمجتمع الكوردي يزخر بالكفاءات، ومن حقه أن يختار من يمثله وفق معايير واضحة ونزيهة.
ويفترض في عضو المرجعية أن يكون شخصية موثوقة، نزيهة، متجردة من المصالح الشخصية، ذات خبرة سياسية واجتماعية، وقادرة على فهم التحولات الجارية وتحليلها بواقعية. كما ينبغي أن يمتلك مهارات التخطيط وصناعة الرؤية، وأن يضع مصلحة الشعب فوق أي اعتبار حزبي أو شخصي.
إن القضية الكوردية في سوريا تمر بمرحلة دقيقة، ولم يعد هناك متسع لتكرار التجارب الفاشلة أو إنتاج الأزمات ذاتها بوجوه جديدة. لذلك فإن المرجعية المنشودة يجب أن تكون مشروعاً وطنياً جامعاً، لا منصة لتقاسم النفوذ.
إذا أُحسن البناء، يمكن لهذه المرجعية أن تصبح بداية مرحلة جديدة من العمل المؤسساتي المسؤول. أما إذا أعيد إنتاج الأساليب القديمة، فلن تكون سوى عنوان إضافي لأزمة قديمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمعة عكاش Jomaa Akkash اليوم سنغني وسنطلق الألعاب النارية ونلبس من أجمل ملابسنا وسنعقد حلقات الدبكة الكردية والعربية والسريانية وكاننا في “الجنة” هكذا نحن شعوب القامشلي وزالين وقامشلو نحب الحياة، لكن في الحقيقة واقع مدينتنا – عاصمتنا كارثي للغاية. إذا كانت دمشق أسوء مدينة للعيش في العالم…

محمود أوسو نحن لا نكتب عن التاريخ لنتفاخر بالماضي، ولا عن الدين لنكفر أحداً، ولا عن السياسة لنشتم قومية أو نقدس قومية. نكتب لأن السكوت خيانة، والحوار واجب. من يظن أننا عندما نكتب عن حدث تاريخي أو ديني أو اجتماعي، هدفنا إهانة دين أو قومية، فهو لم يفهم حرفاً مما نكتب، ولم يفهم معنى أن تكون إنساناً. نحن نحترم…

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…