خالد حسو
الدعوات التي تُطرح اليوم لاستقطاب الشباب الكورد وبيشمركة روج نحو الانخراط في تشكيلات عسكرية جديدة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق تجربة طويلة ومعقدة، امتدت لسنوات، وأفرزت واقعًا سياسيًا وعسكريًا شديد الاضطراب، لم ينجح في أي مرحلة من مراحله في الاقتراب من تطلعات الشعب الكوردي أو ترجمة مطالبه التاريخية إلى مشروع واضح ومستقر. بل على العكس، تبدو تلك المرحلة اليوم، في حصيلتها العامة، أقرب إلى تجربة فقدت بوصلتها السياسية، وتداخلت فيها السلطات والقرارات ضمن منظومة لم تُبنَ على أساس قومي كوردي صريح، بل على توازنات خارجية وتشابكات أيديولوجية معقدة.
وخلال هذه المرحلة، برز حزب الاتحاد الديمقراطي كأحد أبرز الفاعلين في المشهد، غير أنه لم ينجح في تقديم مشروع كوردي مستقل أو متكامل يعبر عن الإرادة السياسية لـ الشعب الكوردي، بل تشكّل ضمن سياق سياسي وفكري يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه مرتبط بقنديل، في علاقة ذات طابع تبعي أثّرت على استقلالية القرار السياسي، وأضعفت إمكانية بناء مشروع قومي واضح المعالم. ولم يكن هذا الارتباط مجرد تفصيل عابر، بل انعكس على طبيعة الخطاب السياسي، وعلى شكل الإدارة، وعلى مسار القرار العام.
وفي هذا السياق، برزت مفاهيم مثل “الأمة الديمقراطية” و”أخوة الشعوب” بوصفها الإطار الفكري الناظم لهذا المشروع، إلا أن هذه المفاهيم، رغم اتساعها النظري، لم تنجح في التحول إلى مشروع سياسي يعكس الواقع القومي الكوردي أو يجيب عن أسئلته الجوهرية. بل بدت، في نظر شريحة واسعة، وكأنها صياغات أيديولوجية بديلة عن المشروع القومي، ساهمت في إضعاف مركزية الهوية الكوردية داخل الخطاب السياسي، بدل أن تعززها أو تحميها أو تؤسس لها إطارًا دستوريًا واضحًا.
ومع تركز السلطة في يد جهة واحدة، تراجع المجال السياسي التعددي، وانكمش هامش الاختلاف، وتحول القرار إلى بنية مغلقة ذات طابع احتكاري، انعكست آثارها على المجتمع بشكل مباشر وعميق. وفي هذا الإطار، ظهرت ممارسات أثارت جدلًا واسعًا، من بينها الاعتقالات التعسفية، ووجود منظومة احتجاز غير شفافة، إضافة إلى تقارير متكررة حول التعذيب، فضلًا عن فرض التجنيد الإجباري على نطاق واسع، بما في ذلك حالات طالت القُصّر، وهو ما ترك أثرًا بالغ الحساسية داخل الشعب الكوردي، وأثار تساؤلات عميقة حول طبيعة السلطة وحدودها.
أما على المستوى السياسي الأشمل، فإن ما يُعرف بالإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية وتوابعها، لم ينجح في بلورة مشروع قومي ديمقراطي كوردي واضح ومتكامل. إذ لم تُطرح رؤية سياسية متماسكة تُحدد موقع الكورد في المعادلة السورية، ولا شكل العلاقة مع الدولة السورية، ولا طبيعة النظام السياسي المنشود. بل ظلّت هذه البنى، في نظر كثيرين، محكومة بتداخلات خارجية وتوازنات إقليمية، حالت دون تحولها إلى تعبير حقيقي عن الإرادة السياسية المستقلة لـ الشعب الكوردي.
وفي قلب هذا القصور، يبرز غياب الرؤية المستقبلية كأحد أخطر الإشكاليات، إذ لم تُصغَ حتى الآن أجوبة واضحة للأسئلة المصيرية: ما هو شكل الدولة التي يطمح إليها الكورد؟ كيف يجب أن تُعاد صياغة العلاقة السورية–السورية على أسس ديمقراطية حقيقية؟ كيف يمكن بناء علاقة كوردية–سورية قائمة على الاعتراف المتبادل؟ وما هو الإطار الدستوري الذي يضمن الاعتراف بالقومية الكوردية وحقوق الشعب الكوردي؟ وكيف يمكن ترجمة مبدأ الفيدرالية إلى مشروع سياسي واقعي لا مجرد شعار؟
إن هذه الأسئلة، رغم مركزيتها، بقيت دون إجابات حاسمة، وهو ما جعل التجربة برمتها تبدو وكأنها مرحلة سياسية لم تكتمل، بل توقفت في منتصف الطريق، دون أن تنجح في الانتقال من إدارة الأمر الواقع إلى بناء مشروع وطني واضح المعالم، قادر على تمثيل الشعب الكوردي والدفاع عن حقوقه السياسية والتاريخية.
وفي المحصلة، فإن هذه المرحلة، بكل ما حملته من تعقيدات وتناقضات، لم تنجح في إنتاج مشروع قومي ديمقراطي كوردي متماسك، بل تركت خلفها حالة من التباين بين الخطاب والممارسة، وبين الشعارات والنتائج، وبين الوعود والواقع. وهو ما يجعل إعادة تقييمها اليوم ضرورة سياسية وأخلاقية، لا مجرد خيار نظري.
وما لم يتم الاعتراف بهذه الإخفاقات بشكل واضح وصريح، وإعادة النظر في البنية الفكرية والسياسية التي حكمت تلك المرحلة، فإن أي محاولة لإعادة إنتاجها ستبقى محكومة بالنتائج ذاتها، إن لم تكن أكثر تعقيدًا. فالمطلوب اليوم ليس إعادة تدوير التجربة، بل تفكيك بنيتها وإعادة صياغة مشروع قومي ديمقراطي كوردي حقيقي، يقوم على وضوح الأهداف، واستقلالية القرار، والاعتراف الكامل بحقوق الشعب الكوردي، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره ضمن إطار ديمقراطي تعددي وفيدرالي عادل.
أما الاستمرار في تجاهل هذه الحقائق، والإصرار على تكرار نفس الأدوات والخطابات، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين هذه المنظومات السياسية وبين الشعب الكوردي، الذي بات أكثر إدراكًا لطبيعة التجربة، وأكثر وعيًا بحدودها، وأكثر حذرًا من إعادة إنتاجها بصيغ جديدة لا تختلف في جوهرها عن ما سبق .