لا تختبروا صبر كوردستان الحليم

كوردي زيوكي

 

يخطئ النظام الإيراني إذا لم يفهم أن عدم ردّ إقليم كوردستان وبقية الكوردستانيين في العالم على هجمات الدولة الإيرانية ليس من باب الضعف أو عدم القدرة على المواجهة، ولا من باب غياب ردّة الفعل، أو أن يُفسَّر موقف كوردستان ذريعةً لزيادة التوسع في اعتداءاتهم المتكررة وغير الإنسانية، في محاولةٍ لإلحاق أكبر ضرر بالبنية التحتية والمنشآت المدنية في الإقليم وتعريض حياة المواطنين والمقيمين للخطر.

إيران على علمٍ بأن الحكومة العراقية غير قادرة، ومقيّدة ومنهكة داخليًا، وأن سيادتها مستباحة، بل وغير قادرة حتى على الدفاع عن أرضها وأمنها، وذلك لوجود ميليشيات وفصائل زرعتها إيران تتحكم في مفاصل الدولة وتحتكر قراراتها. لكن، في الوقت نفسه، تدرك إيران أن إقليم كوردستان محصّن وغير قابل للكسر، ولديه القدرة والإرادة القوية في حماية أمنه القومي وقيمه الجوهرية ومصالحه الحيوية، ولا يُستهان بتعاضد وعيه وإيمانه المطلق، قيادةً وشعبًا.

حتى وإن لم يمتلك الأسلحة المتطورة، فإنه يؤجّل كل ذلك بانتظار أن تكفّ إيران عن هجماتها البربرية واعتداءاتها الظالمة قانونًا وشرعًا، وأن تستوعب الموقف المسالم للقيادة الحكيمة لكوردستان، وعلى رأسها الرئيس مسعود البارزاني، وألا تحاول اختبار صبرهم. فقد كانت ولا تزال سياستهم نابعة من أن الحوار وإرساء السلام أقصر الطرق، بدل الحروب والنزاعات التي لا تجلب إلا الدمار والويلات للشعوب.

ثم إن المقاومة حقّ مشروع في مواجهة أي عدوان غاشم على شعب كوردستان، وإيران تتحمل حينها ثقل تبعات ذلك. إن أمن كوردستان محفوظ بفضل الله وبجهود قوات البيشمركة الأبطال وتضحياتهم، وهو راسخ لا ينحني.

إن إقليم كوردستان لم يعتدِ عليكم، ولم يسهّل لأمريكا أو إسرائيل أي هجوم على بلادكم، لكن سوء التقدير الذي يقودكم في هذه الحرب قد يجرّكم إلى ما هو أسوأ مما أنتم عليه. وكما قيل: إن للصبر حدودًا، وأنتم تجهلون مصيركم المحتوم.

إقليم كوردستان قادر على تغيير قواعد اللعبة، وهو من اللاعبين الإقليميين والدوليين الأساسيين، وله دور فاعل لا يمكن تجاوزه، ويمتلك الشجاعة في ولوج عمق دهاليز القرار الدولي. إلا أن الرئيس مسعود البارزاني أكد مرارًا وتكرارًا أن كوردستان جزء من الحل دائمًا، ولن تكون جزءًا من أي صراع في المنطقة، ولن تشكل تهديدًا لأي دولة، مشددًا على أن قوات البيشمركة تمثل أعزّ وأغلى ثروة وطنية يعتز بها شعب كوردستان.

إن الاعتداء السافر على قوات البيشمركة، واستشهاد 6 وجرح 30، لهو انتهاك صارخ للأمن والاستقرار الدوليين، ولمبدأ حسن الجوار، وللمبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي، ويعد خرقًا واضحًا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادتين (2) و(4)، التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو الشعوب، وهو أمر لا يمكن السماح به أو التغاضي عنه.

كما أن جعل كوردستان ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتحاربة أمر يدعو للقلق، وعلى المجتمع الدولي التدخل وإبداء موقف تجاه ذلك. صحيح أن الأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة، التي يعود وجودها في إقليم كوردستان إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين فرت من قمع نظام ملالي طهران بعد ثورة الخميني عام 1979، قد تمتعَت بدعم شعبي واسع داخل إيران وخارجها.

ورغم تأكيد قيادات تلك الأحزاب التزامها بقرارات حكومة إقليم كوردستان بعدم القيام بأي عمل يعرّض أمن وحياة شعب الإقليم للخطر، وإدراكها لأهمية العلاقة التاريخية والأخوية بين الشعبين، فضلًا عن حجم التبادل التجاري الذي يصل إلى مليارات الدولارات سنويًا، فمن المستغرب أن تضرب إيران كل ذلك عرض الحائط، وهي بذلك تضر نفسها أولًا.

إن ضرب النموذج الديمقراطي والأمن في كوردستان محاولة يائسة، ظنًا منها أن ذلك سيخرجها من أزمتها الداخلية التي تفاقمت عبر السنوات، بدل التركيز على إيجاد حلول لمشاكلها. كما أن إنهاء المشروع القومي الكوردستاني الذي يقوده المرجع والرئيس مسعود البارزاني لن يثني كوردستان عن نهجها المتوازن، ولا عن تأييدها وسندها اللامحدود لأخوتهم الكورد أينما كانوا.

إنها أضغاث أحلام للإيرانيين وحلفائهم، فكل تلك المحاولات لجرّ الإقليم إلى الصراع مرفوضة جملةً وتفصيلًا، وهذا ما صرّحت به القيادة الكوردستانية بوضوح.

إن النجاحات التي حققها إقليم كوردستان على مختلف الأصعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب التطورات في التنمية المستدامة والتلاحم الشعبي وترسيخ السلم والعيش المشترك، لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة سياسة ورؤية حكيمة، وبرامج عمل وجهود جبارة أسس لها المرجع والرئيس مسعود البارزاني.

هذه النجاحات لم ترُق للأعداء والحاقدين، فازداد غيظهم الدفين تجاه كوردستان. لقد أراد البارزاني أن تكون كوردستان ليست مجرد حلم قومي أو ملجأ للمظلومين، بل واقعًا حقيقيًا يوفر حياة آمنة وملاذًا لكل خائف، ويظل مثالًا يُحتذى به نحو مستقبل أفضل لجميع أبنائه.

فهم رجال من معدن الذهب، لا يصدأون بل يزدادون لمعاناً. خلاصة القول: إن المنطقة أمام مرحلة جديدة، وما يحدث سيغيّر وجه الخرائط، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل ربما في العالم بأسره.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمعة عكاش Jomaa Akkash اليوم سنغني وسنطلق الألعاب النارية ونلبس من أجمل ملابسنا وسنعقد حلقات الدبكة الكردية والعربية والسريانية وكاننا في “الجنة” هكذا نحن شعوب القامشلي وزالين وقامشلو نحب الحياة، لكن في الحقيقة واقع مدينتنا – عاصمتنا كارثي للغاية. إذا كانت دمشق أسوء مدينة للعيش في العالم…

محمود أوسو نحن لا نكتب عن التاريخ لنتفاخر بالماضي، ولا عن الدين لنكفر أحداً، ولا عن السياسة لنشتم قومية أو نقدس قومية. نكتب لأن السكوت خيانة، والحوار واجب. من يظن أننا عندما نكتب عن حدث تاريخي أو ديني أو اجتماعي، هدفنا إهانة دين أو قومية، فهو لم يفهم حرفاً مما نكتب، ولم يفهم معنى أن تكون إنساناً. نحن نحترم…

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…