عبدالجبار شاهين
منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، لم تتشكل الدولة الإيرانية وفق النموذج التقليدي للدول الحديثة التي تفصل بين العقيدة والسياسة وتوازن بين المصالح والحدود، بل تأسست وفق تصور يرى في الدولة أداة لمشروع ثوري ممتد يتجاوز الجغرافيا، ويعتبر أن الاستقرار ليس غاية نهائية بل محطة مؤقتة في مسار صراع أطول، وهو ما جعل سلوك إيران الإقليمي خلال العقود الماضية يُقرأ في كثير من الأحيان بوصفه امتدادا لعقيدة سياسية–أمنية بقدر ما هو تعبير عن حسابات دولة تبحث عن النفوذ.
هذا التداخل بين الأيديولوجيا والدولة انعكس بوضوح في بنية النظام التي أعادت تعريف مفهوم القوة عبر مؤسسات موازية للدولة التقليدية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الذي لم يعد مجرد ذراع عسكري، بل أصبح مركز ثقل اقتصادي وسياسي وأمني، يدير شبكات نفوذ خارج الحدود الإيرانية، ويشرف على منظومة من الفاعلين غير الدوليين تمتد من العراق إلى لبنان واليمن، الحشد الشعبي، حزب الله والحوثيون، في إطار استراتيجية تقوم على تقليل كلفة المواجهة المباشرة وتوسيع هامش التأثير الإقليمي عبر الوكلاء.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة التوترات الإقليمية باعتبارها صراعا ثنائيا بسيطا بين دول، بل بوصفها شبكة معقدة من الرسائل المتبادلة، حيث تتحول الجغرافيا إلى ساحة اختبار للردع، وتصبح الممرات الحيوية مثل باب المندب جزءا من معادلة الضغط الاستراتيجي، وليس مجرد نقاط عبور تجارية، وهو ما يفسر استمرار التوتر في محيط البحر الأحمر والخليج العربي ضمن نمط إدارة أزمة مزمن وليس ضمن مسار استقرار واضح.
لكن داخل هذه الخارطة المضطربة، يبرز اقليم كردستان كحالة مختلفة نسبيا، ليس لأنه خارج الحسابات الجيوسياسية، بل لأنه يقدم نموذجا مغايرا في بيئة إقليمية تتسم عادة بالهشاشة، إذ يجمع بين قدر من الاستقرار الداخلي والانفتاح الاقتصادي والعلاقات الدولية المتوازنة، ويعمل ضمن إطار دستوري داخل العراق، ما يجعله ليس هدفا لصراع وجودي مباشر بقدر ما هو هدف لضغوط متقطعة تحمل طابعا رسائليا أكثر من كونها محاولة احتلال أو تغيير جذري للواقع.
إن استهداف الإقليم في بعض الأحيان عبر هجمات صاروخية أو مسيرات لا يمكن تفسيره من زاوية تهديد عسكري مباشر صاعد من كردستان باتجاه إيران، بل يرتبط غالبا بمنطق الردع غير المباشر وإيصال رسائل سياسية إلى أطراف متعددة في وقت واحد، سواء في بغداد أو واشنطن أو حتى داخل منظومة القوى الإقليمية، حيث تتحول الجغرافيا إلى وسيط للرسائل أكثر من كونها هدفا بحد ذاته، وهو ما يضع الإقليم في موقع حساس بين كونه منطقة استقرار نسبي وبين كونه ساحة قابلة للاستثمار السياسي في لحظات التصعيد.
والأهم من ذلك أن كردستان، بحكم طبيعة تجربته السياسية والاقتصادية، يمثل نموذجا مختلفا داخل العراق، يقوم على نسب أعلى من الانفتاح والاستقرار النسبي وبناء المؤسسات، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه يكتسب بعدا رمزيا يتجاوز حدوده الجغرافية، لأن استهداف النموذج الناجح في بيئة مضطربة غالبا ما يكون رسالة موجهة إلى فكرة النجاح نفسها وليس إلى خصم عسكري مباشر، وهو ما يفسر لماذا لا يتناسب مستوى التهديد أحيانا مع حجم الخطر العسكري التقليدي.
في ضوء ذلك، فإن التعامل مع هذا الواقع لا يمكن أن يقوم على ردود فعل أمنية آنية فقط، بل يحتاج إلى مقاربة أكثر تعقيدا تقوم على تحصين متعدد المستويات، يبدأ من الداخل السياسي عبر تعزيز وحدة القرار داخل الإقليم وتثبيت التوافقات بين القوى السياسية، ويمتد إلى المستوى المؤسسي من خلال تقوية العلاقة الدستورية مع بغداد على أساس الشراكة لا التنازع، ويصل إلى المستوى الدولي عبر توسيع شبكة المصالح الاقتصادية والدبلوماسية التي تجعل استقرار الإقليم جزءا من توازنات إقليمية ودولية أوسع.
أما أمنيا، فإن تعزيز القدرات الدفاعية والرصد المبكر والتنسيق الاستخباري مع الشركاء الدوليين يشكل ضرورة واقعية، لكن دون الانزلاق إلى تحويل الإقليم إلى ساحة مواجهة مفتوحة، لأن أحد أهم عناصر قوة كردستان الحالية يكمن في صورته كمنطقة استقرار وبناء، وليس كطرف في معادلة صراع مسلح، وهي معادلة دقيقة تتطلب موازنة مستمرة بين الردع والحفاظ على بيئة التنمية.
في النهاية، يمكن القول إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة التهديدات الإقليمية، بل في القدرة على إدارة موقع جغرافي حساس داخل منطقة شديدة السيولة السياسية، حيث تتقاطع مشاريع النفوذ مع هواجس الأمن، وحيث تتحول الدول الضعيفة إلى ساحات صراع، بينما تصبح المناطق المستقرة أهدافا رمزية في معركة أوسع على شكل الشرق الأوسط نفسه، وهو ما يجعل من تجربة كردستان اختبارا دائما لقدرة النموذج المختلف على البقاء في بيئة لا تكافئ الاستقرار دائما بقدر ما تختبره باستمرار.