خوشناف سليمان
ما جرى في بغداد هو انكشاف جديد و ربما الأكثر فجاجة لحقيقة يعرفها الجميع ويتجنبون قولها.. الكرد لم يعودوا يتحدثون بصوت واحد. ولذلك لم يعد أحد مضطرًا للإصغاء إليهم كقوة واحدة.
المسألة لم تعد تتعلق بمن يشغل منصبًا سياديًا. ولا بمن ربح جولة تكتيكية داخل قاعة البرلمان. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بكيفية تحول القضية الكردية في العراق من مشروع سياسي جامع إلى ملف تنافس داخلي. تدار تفاصيله بروح الخصومة لا بروح الشراكة.
في بغداد. لا تدار السياسة بمعايير ثابتة. بل بميزان متحرك. يعلو وينخفض وفق موازين القوة لا وفق النصوص. هناك. يصبح الدستور قابلاً للتأويل. والأعراف قابلة للكسر. والتحالفات قابلة لإعادة التركيب في كل لحظة. في مثل هذا المناخ. لا مكان للضعفاء ولا رحمة للمنقسمين.
منذ سنوات. يتصرف الاتحاد الوطني وكأن تثبيت موقعه لا يتم إلا عبر كسر توازن خصمه. لا عبر تعزيز موقع الكرد ككل. هذه الذهنية لم تنتج شراكة بل أنتجت قلقًا دائمًا داخل الجغرافيا الكردية نفسها. كل استحقاق يتحول إلى ساحة اختبار قوة. وكل خلاف يتحول إلى أزمة مفتوحة. وكل تفاوض مع بغداد يصبح مسارين لا يلتقيان.
وما جرى في ملف الترشيح لم يكن استثناءً. بل كان ذروة هذا المسار. حين قدّم مرشحان. لم يُفتح باب المنافسة الديمقراطية. بل فُتح باب الاستباحة السياسية. هنا تحديدًا وجدت بغداد فرصتها. لم تعد مضطرة لاحترام التوافق الكردي. بل أصبحت قادرة على اختيار الطرف الذي يخدم توازناتها. أو على الأقل استخدام الانقسام لفرض شروطها.
في هذا السياق. برز سلوك الحلبوسي بوصفه نموذجًا صارخًا لسياسة استثمار الفراغ. لم يتعامل مع الخلاف الكردي كأزمة يجب احتواؤها. بل كفرصة يجب استثمارها. اندفع في مسار إجرائي منحاز. متجاوزًا روح التوافق التي كانت تضبط هذا الاستحقاق. ومكرّسًا منطق أن من يملك اللحظة يفرض القاعدة.
لكن قراءة هذا السلوك بوصفه اندفاعًا فرديًا تبقى قراءة ناقصة. فالعراق اليوم ليس معزولًا عن محيطه. بل يقع في قلب توتر إقليمي تتقاطع فيه مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. في مثل هذا المشهد. لا تبقى القرارات داخلية بالكامل. ولا تكون الساحات محايدة. كل فراغ يُستثمر. وكل انقسام يُستخدم. وكل ضعف يتحول إلى مدخل لإعادة ترتيب موازين القوى.
هنا. يصبح الخلاف الكردي أكثر من مجرد أزمة داخلية. يتحول إلى نقطة جذب لقوى أكبر. وإلى ثغرة تُقرأ من خارج الجغرافيا قبل داخلها. وحين ينشغل الكرد بصراعاتهم. فإنهم لا يخسرون موقعهم في بغداد فحسب. بل يضعون أنفسهم في موقع قابل لإعادة التعريف وفق مصالح الآخرين.
الأخطر من ذلك أن هذا الصراع لم يعد محصورًا في السياسة. بل بدأ ينعكس على استقرار المناطق الكردية نفسها. توترات كامنة. خطاب متشنج. وشعور عام بأن التوازن هشّ وقابل للاهتزاز عند كل مفصل. وكأن الإقليم لم يعد محميًا بوحدته. بل مكشوفًا بخلافاته.
في هذا كله. لا يمكن إعفاء الاتحاد الوطني من مسؤولية مضاعفة. ليس لأنه الطرف الوحيد. بل لأنه اختار. في لحظات مفصلية. أن يدير خلافه مع الديمقراطي عبر أدوات تُضعف البنية الكردية بدل أن تضبطها. في كل مرة يُكسر فيها التفاهم. لا يخسر الديمقراطي وحده. بل يخسر الكرد موقعًا. وتخسر قضيتهم وزنها. ويتقدم الآخرون خطوة إضافية.
المستقبل. إذا استمر هذا النهج لن يكون صادمًا بقدر ما سيكون تآكليًا. سيبقى الإقليم قائمًا. لكن أقل قدرة. سيبقى حاضرًا. لكن بصوت أخف. وستبقى الحقوق قائمة على الورق. فيما تتراجع القدرة على فرضها في الواقع.
ما يحتاجه الكرد اليوم ليس اتفاقًا شكليًا. ولا هدنة إعلامية. بل مراجعة جذرية.. هل ما يجمعهم ما زال أكبر مما يفرقهم؟ أم أن الصراع تحوّل إلى غاية بحد ذاته؟
في السياسة. لا تضيع القضايا حين تُهزم .. بل حين تنشغل بنفسها عن نفسها.