بيان بمناسبة الذكرى الحادية والعشرون لتأسيس تيار مستقبل كردستان سوريا.

في 29 أيار 2026، ونحن نحيي الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقة تيار مستقبل كردستان سوريا، نقف مرة أخرى عند لحظة التأسيس التي لم تكن  عبارة عن حدث تنظيمي فقط ، بل تجسيداً حقيقياً لإرادة سياسية وُلدت من رحم المعاناة الكردية ومن الإيمان العميق بأن سوريا الجديدة لن تبنى إلا على قاعدة الديمقراطية والتعددية والاعتراف المتساوي بحقوق جميع مكوناتها.
 لقد أدرك مؤسسو التيار ، وفي مقدمتهم الشهيد  مشعل التمو، أن القضية الكردية في سوريا لا تنحصر فقط في قضية مكون يطالب بحقوقه القومية ، بل هي القضية الجوهرية التي تختبر مدى قدرة سوريا على التحول من دولة مركزية قمعية إلى دولة مدنية ديمقراطية لامركزية، تتسع لكل أبنائها ،ومن هذا المنظور، يظل بيان التأسيس وثيقتنا المرجعية التي نستمد منها شرعيتنا السياسية، وعهدنا بالاستمرار على طريق النضال السلمي  الذي سلكه الشهيد التمو، والذي دفع حياته ثمناً لكلمته الحرة، تاركاً لنا إرثاً لا يسقط بالتقادم.
لقد قطعنا خلال هذه السنوات مسيرة لم تخلُ من انتكاسات وإخفاقات، لكننا حافظنا على ثابت واحد لم نتنازل عنه: استقلالية القرار الكردي السوري، البعيد عن أي وصاية إقليمية أو أيديولوجيات خارجية، وفي هذا السياق، نثمّن الدور التاريخي للرئيس مسعود بارزاني في رعاية الوحدة الكردية والحد من الصراعات الداخلية، دون أن يعني ذلك الهيمنة اوالتبعية . فنحن جزء من سوريا، وقضيتنا تحلّ في داخلها، وليس في مشاريع خارجية.
بعد سقوط النظام الأسدي تمرّ سوريا بمرحلة دقيقة ومفصلية، لا تحتمل المزيد من التأجيل أو الترقيع. فبينما انفتحت آفاق جديدة للتغيير، لا تزال السلطة في دمشق تفتقر إلى رؤية واضحة ومتكاملة لإدارة الانتقال، حيث تتداخل الأزمة الاقتصادية الخانقة، والتفكك الاجتماعي، والتدخلات الإقليمية والدولية المعقدة، ما يخلق فراغاً خطيراً تستغله قوى الإقصاء والتطرف ، وفي خضم هذا الفراغ، يجد الكرد أنفسهم أمام امتحان جديد: هل سيكونون شركاء في بناء الدولة، أم سيُعاد إنتاج تهميشهم بأشكال حديثة؟ إن تقديرنا للمرسوم الرئاسي رقم 13، الذي يعترف رسمياً بالوجود الكردي، لا يمنعنا من التأكيد على أنه مجرد خطوة شكلية إذا لم تتبعها عملية سياسية جذرية تؤسس لدستور دائم يضمن الحقوق القومية والسياسية والثقافية للشعب الكردي، ويقرّ نظاماً لامركزياً تدير فيه المناطق الكردية شؤونها المحلية ضمن وحدة سوريا وسيادتها.
أمام هذا الواقع، نرفض بأشد العبارات أن تُختزل القضية الكردية في ملف الخدمات أو الوظائف أو المقاعد البرلمانية المحدودة. فانتخابات مجلس الشعب بالصيغة الحالية، لا تعكس التمثيل العادل للكرد ولا حجمهم السكاني، وليست سوى إعادة إنتاج لثقافة الإقصاء والهيمنة بعيداً عن أي توافق وطني. فلا مستقبل لأي حل سياسي لا يضع الشراكة العربية – الكردية في صميمه ، واية معالجة جدية للقضية الكردية في سوريا لا يمكن أن تتم دون حوار سياسي مباشر بين ممثلي الشعب الكردي والسلطة في دمشق يفضي إلى اتفاق سياسي واضح على دستور دائم وقانون انتخابي عادل . فسوريا كما نؤمن، تتكون من مكونين رئيسيين لا يمكن تصورها بدونهما: العرب كأغلبية وطنية، والكرد كجزء أصيل ومؤسس، إلى جانب سائر المكونات، وأي مشروع لتهميش أي منهما هو مشروع فاشل حتماً، ولن يجلب إلا المزيد من الصراع . لكن المسؤولية الوطنية تقتضي منا أيضاً، ونحن نتحدث عن السلطة، أن نمارس النقد الذاتي بشجاعة. فلا يمكننا تجاهل حالة الإحباط والقلق التي تساور قطاعاً واسعاً من شعبنا، الذي يرى أن الحركة السياسية الكردية، بمختلف أطرافها، لم ترتقِ إلى مستوى التضحيات والفرص التي أتيحت لها. إن تجربة الإدارة الذاتية والقوى المهيمنة عليها تحتاج إلى مراجعة جذرية، فقد ضاعت سنوات ثمينة في مشاريع عسكرية وأيديولوجيات إقليمية أبعدت القضية الكردية عن حلها الوطني. كذلك، فإن أي ارتباط تنظيمي أو سياسي بحزب العمال الكردستاني (PKK) لا يخدم مصالح شعبنا في سوريا، بل يربط مصيره بصراعات لا تمتّ لقضيته بصلة، ويعرقل بناء مشروع وطني كردي سوري مستقل وعملي. لقد حان الوقت لإنهاء سياسات الهيمنة وعسكرة المجتمع، والعودة إلى جوهر النضال السلمي الديمقراطي الذي يؤمن بالحوار والدستور والمؤسسات.
إن استمرار تعطيل الحوار بين السلطة في دمشق والوفد الكردي المنبثق عن كونفرانس 26 نيسان، رغم كل الوعود، هو دليل إضافي على غياب الإرادة السياسية الجادة. 
 نتمسك بالوثيقة السياسية لذلك الكونفرانس باعتبارها أرضية واقعية لأي مفاوضات مستقبلية، ونطالب بكسر حالة الجمود هذه فوراً. كما نكرر مطالبتنا بمعالجة الملف الإنساني الأكثر إيلاماً: ملف الأسرى والمفقودين. آلاف العائلات الكردية والعربية والسورية لا تزال تنتظر مصير أبنائها، وهذا ليس مجرد ملف حقوقي، بل هو اختبار أخلاقي لصدق أي سلطة تدّعي احترام الكرامة الإنسانية ، وبالتالي يجب كشف المصير وإطلاق المعتقلين كأولوية وطنية قصوى.
في ختام هذا البيان، نعلن مجدداً تمسكنا بالنضال السلمي الوطني ، ونؤمن بأن الطريق إلى سوريا الجديدة يمر حتماً عبر ثلاث محطات: أولاً، حوار وطني شامل لا استثناء فيه، ينتج دستوراً دائماً يقر اللامركزية والحقوق الكردية. ثانياً، حكومة وحدة وطنية تعبّر عن كل المكونات. ثالثاً، قانون انتخابي عادل يضمن التمثيل الحقيقي .
 إن الانتصار الحقيقي لشهدائنا، وفي مقدمتهم مشعل التمو، لن يتحقق بإقامة النصب أو ترديد الشعارات، بل ببناء دولة لا يُقصى فيها أحد، ولا يشعر فيها أي مواطن، كردياً كان أم عربياً، أنه غريب في وطنه. فسوريا للجميع، والشراكة العربية – الكردية هي طريق النجاة الوحيد.
 عاشت سوريا ديمقراطية لا مركزية، والمجد الخالد لشهدائنا الأبرار.
29 أيار 2026
تيار مستقبل كردستان سوريا 
الهيئة التنفيذية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جوان عصمت سيدا بحكم عملي السابق في شعبة آثار القامشلي وترأسي للشعبة بين سنوات 2006 – 2010 أود توضيح بعض الحقائق من منظور أثري وقانوني. ينص قانون الآثار السوري رقم ( 222) لعام 1963 وتعديلاته لعام 1999، المستند إلى المبادئ والتشريعات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي ( ان كل مخلف مادي ثابت أو منقول يتجاوز عمره 200 سنة ميلادية أو…

حسن قاسم إن إعلان جماعة متطرفة (العصائب الحمراء) مسؤوليتها عن التفجيرات الأخيرة في دمشق، مع تهديدها بتنفيذ المزيد من العمليات، يجب أن يدق ناقوس الخطر ليس للسوريين وحدهم، بل للمجتمعين الإقليمي والدولي أيضاً. فالإرهاب الذي اعتقد كثيرون أنه هُزم عسكرياً لم يختفِ، بل بقيت خلاياه وأفكاره قادرة على استغلال أي فراغ سياسي أو أمني. لقد أثبتت السنوات الماضية أن القضاء…

مهند محمود شوقي لم تعد المدن الحديثة تُبنى بالخرسانة وحدها، فنجاح المدينة في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس فقط بعدد الطرق والجسور والمباني التي تنشئها، بل بقدرتها على توفير بيئة تجعل حياة الإنسان أكثر جودة واستقراراً. فالمساحات العامة، والطاقة المستدامة، والأمن المائي، والهوية الحضرية، أصبحت اليوم جزءاً من تعريف التنمية بقدر أهمية البنية التحتية التقليدية. ومن هذا المنطلق،…

د. محمود عباس تركيا في الناتو: السلاح، سوريا، إيران، والكورد تتحرك تركيا في قمة الناتو من موقع “الدولة المضيفة”، لا من موقع العضو العادي. فهي تريد أن تعرض نفسها بوصفها عقدة جغرافية وعسكرية وسياسية لا يستطيع الحلف تجاوزها: البحر الأسود، سوريا، القوقاز، الشرق الأوسط، أوكرانيا، ملف الطاقة، وخطوط التماس مع روسيا وإيران. لذلك لن تكون مطالب أنقرة محصورة في بند…