ماهين شيخاني
مقدمة: الإعلام رسالة… لا منصة للانتقام
لطالما كان الإعلام الكوردي واحداً من أهم أدوات النضال، منذ صحيفة “كوردستان” عام 1898، وصولاً إلى آلاف المنصات الإلكترونية اليوم. لكن التحول الرقمي، رغم إيجابياته، فتح الباب أمام ظاهرة خطيرة: تسلل الانتهازيين والمتسلقين إلى المشهد الإعلامي، ليس لخدمة القضية، بل لتصفية حسابات شخصية وتشرعن مواقف لا أخلاقية ولا نظامية.
هذا المقال ليس هجوماً على الإعلام الكوردي، بل هو دعوة لمراجعة نقدية صادقة، تعيد للكلمة اعتبارها، وتحمي القضية من الذين يحاولون ركوب أمواجها دون أن يكونوا من أهلها.
أولاً: المتسلقون الإعلاميون… ضحايا المؤتمرات أم أبطال الانقسام؟
الظاهرة أصبحت مألوفة: شخص يقبع في الزوايا، تفشل حظوظه في المؤتمرات الحزبية أو الانتخابات، أو يُبعد بسبب تجاوزاته، فإذا به بعد فترة قصيرة يظهر كـ”محلل سياسي” أو “كاتب رأي” أو حتى “زعيم حزب جديد”!
كيف؟
عبر عدد قليل من المصفقين من حوله (لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة أحياناً).
عبر استغلال منصات إعلامية لا تملك آليات للتحقق من المصداقية.
عبر توظيف علاقات شخصية أو مالية لشراء مساحة في الإعلام.
هؤلاء لا يمثلون حركة وطنية، ولا يمتلكون مشروعاً، ولا حتى جماهير. لكنهم يتقنون لعبة “شرعنة الفشل الشخصي”، ويحولون إخفاقهم إلى “مؤامرة” ضدهم، ثم إلى “منبر” يطلقون منه سهام الضغينة على من تجاوزهم أو استحق مواقعهم.
ثانياً: الإعلام بين النوايا الحسنة والاستغلال الأعمى
المشكلة ليست في وجود هؤلاء فقط، بل في تلكؤ بعض وسائل الإعلام الكوردية عن القيام بدورها المهني:
تُنشر بيانات وتصريحات لأشخاص لا يعرف عنهم أي شيء، ولا يملكون أي ثقل حقيقي.
تُفتح منابر لأصوات لا تمثل إلا أنفسها، لكنها تُقدَّم كـ”رأي قيادي” أو “تحليل استراتيجي”.
يتساوى عند البعض “السياسي المخضرم” مع “الهارب من مؤتمر فاشل”، في مشهد يخلط الأوراق ويربك الجمهور.
هذا الفضاء المشوَّش يسمح للمتسللين بتمرير أنفسهم كـ”بدائل وطنية”، بينما هم في الحقيقة مجرد أدوات لتعقيد المشهد وعرقلة أي مسار جاد لحل القضية الكوردية.
ثالثاً: الذكاء الاصطناعي… ثورة إعلامية وملاذ للمتسلقين
العصر الرقمي أضاف بعداً جديداً للكارثة. كثير من هؤلاء لم يكونوا يجيدون كتابة جملة سليمة قبل سنوات. أما اليوم، فبفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأدوات الصياغة الآلية، أصبحوا:
ينشرون “مقالات سياسية” بتوقيعهم، بينما كُتبت بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي.
يصدرون “تحليلات استراتيجية” لا تمت لواقعهم بصلة.
يروجون لأنفسهم كـ”مفكرين” و”كتاب”، وهم لم يقرؤوا كتاباً في حياتهم.
الذكاء الاصطناعي وسيلة رائعة، لكنه أصبح أيضاً قناعاً لانتهازيين لا يمتلكون أدوات النقد الذاتي ولا المعرفة الحقيقية. الإعلام الكوردي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بـ كشف هذه الأقنعة، وعدم الخلط بين “من يكتب” و”من يوجّه الأوامر لروبوت”.
رابعاً: العتب على الإعلام أولاً
لا نريد أن نلقي باللوم على هؤلاء فقط؛ لأن الفرصة التي يستغلها المتسلقون هي نفسها التي يمنحها لهم الإعلام.
متى سنرى سياسة تحريرية واضحة في وسائل الإعلام الكوردية؟
التحقق من الخلفية السياسية والمهنية لأي شخص يُمنح منبراً.
التمييز بين “الناقد الموضوعي” و”الحاقد الشخصي”.
عدم الخلط بين “التعددية الإعلامية” و”فتح الباب لكل من هب ودب”.
وضع معايير للنشر تتجاوز “العلاقات” و”المحسوبيات”.
تحتاج القضية الكوردية إلى إعلام مسؤول، لا إلى منصات لـ”التشفي” و”تصفية الحسابات”.
خامساً: ماذا نفعل؟ (توصيات عملية)
إنشاء “لجنة أخلاقيات إعلامية” مستقلة، تتولى مراجعة شكاوى التضليل وتقييم مصداقية المصادر.
إلزام وسائل الإعلام بوضع كود واضح للنشر، يمنع استضافة شخصيات مثبت تورطها في سلوكيات غير أخلاقية أو انتهازية.
تدريب الصحفيين على كشف الأدوات الزائفة (مثل المقالات المولدة بالذكاء الاصطناعي) والتمييز بين “الصوت الحقيقي” و”الصوت المصطنع”.
فضح الحالات المستمرة في استغلال الإعلام، ليس للتشهير، بل لحماية الفضاء العام من التلوث.
تشجيع الإعلام المستقل الجاد، ودعمه ليكون بديلاً عن المنصات العشوائية التي تؤذي القضية أكثر مما تنفعها.
خاتمة: كلمة لا تنفع، بل عمل
القضية الكوردية تعاني أعداء خارجيين، وهذا معروف. لكن المعركة الأخطر قد تكون ضد المتسللين من الداخل، الذين يستخدمون الإعلام كخنجر لطعن القضية تحت شعارات براقة.
الإعلام الكوردي مدعو اليوم إلى وقفة جادة مع النفس:
ليس كل “كاتب” كاتباً.
وليس كل “محلل” محترفاً.
وليس كل من قال “أنا كوردي” يعني أنه يحمل القضية في قلبه.
الشفافية ليست مجرد كلمة. هي قرار أخلاقي يسبق أي مقال أو تصريح.
إما إعلام نقي… أو قضية مشوهة.