عاكف حسن
كنتُ مع عبد الله أوجلان خلال الفترة التي قضاها في إيطاليا، في الشهرين اللذين سبقا خروجه. كانت مرحلة كثيفة التفاصيل، تتشكل فيها القرارات يوماً بعد يوم، في أجواء تبدو هادئة على السطح، لكنها محمّلة بتوتر سياسي غير معلن، وبحسابات دقيقة تتقاطع فيها السياسة مع المصير الشخصي.
وفي أحد الأيام، قبل نحو أسبوع واحد من مغادرته، ذهبنا نحن مجموعة لزيارته: المحامية بريتا بولر، والمحامي إرهارد شولتز، وأنا، إضافة إلى مترجم ألماني–تركي، وأحمد يامان، وامرأة جاءت من أمستردام.
استقبلنا على الباب، في الطابق الثاني في حارة إنفرنو في روما، بابتسامةٍ خفيفة تحمل شيئاً من التحدي، وقال ضاحكاً:
“تفضلوا يا من أتيتم لإقناعي بالبقاء هنا في إيطاليا.”
دخلنا وجلسنا. قُدّم الشاي، وبدأ الحديث في أجواء يغلب عليها الاستهزاء الخفيف والثقة العالية، حيث بدت الابتسامات وكأنها تُسقط من البداية فكرة “النصيحة” نفسها، وكأن القرار في مكان آخر، سبق النقاش بزمن.
لم يطل ذلك حتى التفت إليّ مباشرة وسأل:
“ما هو رأيك الأخير في خروجنا من إيطاليا؟”
قلت له بوضوح:
“إن خرجت، فمصيرك على الأرجح سيكون كمصير شمدين ساکيك، الذي اختُطف من إقليم كردستان ونُقل إلى تركيا.”
فردّ بهدوء فيه استهجان خفيف:
“الله الله…”
وبالتركية بصوتٍ متهكّم: “هالا هالا”.
ثم أضاف:
“أنت تتكلم بالمنطق… والمنطق غير فعّال في كل مكان.”
ثم التفت إلى إرهارد شولتز وسأله عن رأيه، فأجاب شولتز:
“كمحامٍ لك، لا أريد أن أزورك على ظهر الجمال في صحراء أفريقيا.”
فجاء الرد فورياً وحاداً:
“أنت أحمق، لا تفهم شيئاً من المحاماة.”
ورغم قسوة العبارة، ظل الجو العام محكوماً بثقة عالية، وكأن النقاش يدور داخل مساحة محسومة سلفاً، لا تغيّرها التحذيرات ولا تعيد تشكيلها الآراء. حاولتُ الإشارة للمترجم بعدم نقل الجملة حرفياً، بينما تدخلت بريتا بولر بهدوء قائلة:
“أنا أتفق مع ما قيل… وربما من الأفضل أن نبقى هنا فترة أخرى لنرى.”
لكن كان واضحاً أن ما يجري لم يعد نقاشاً مفتوحاً، بل تثبيتٌ لمسار قرارٍ بات أقرب إلى التنفيذ منه إلى المراجعة.
واللافت في تلك المرحلة أيضاً أن عبد الله أوجلان لم يكن مرتاحاً في إيطاليا، ولم يندمج في إقامته هناك، بل كان يبحث بوضوح عن الخروج نحو مكانٍ آخر يشعر فيه بالقرب من بيئة يعرفها جيداً، أقرب إلى فضاء الشام الذي قضى فيه ما يقارب عشرين عاماً من حياته. كان هذا الميل الداخلي إلى الانتقال جزءاً من المزاج العام الذي يفسّر إصراره على المغادرة، رغم كل التحذيرات والنقاشات التي دارت حوله.
خرجنا بعد ذلك، وبقيت عبارة الباب الأولى تختصر المشهد كله:
“تفضلوا يا من أتيتم لإقناعي بالبقاء هنا في إيطاليا.”
⸻
لاحقاً، لم تتوقف الأحداث عند إيطاليا.
فبعد خروجه منها، وصل المسار إلى نيروبي، حيث تم إلقاء القبض عليه من قبل القوات التركية في عملية معقدة، شاركت فيها أطراف متعددة وسياقات استخباراتية متداخلة، دون أن تختزل القصة في رواية واحدة بسيطة.
لكن مع مرور الوقت، ظهرت قراءات تحاول تفسير ما جرى عبر فكرة “المؤامرة الدولية” فقط، وكأن الخارج هو الفاعل الوحيد، بينما الداخل مجرد ضحية.
غير أن هذا التفسير، رغم جاذبيته السياسية، يبقى ناقصاً إذا أُغفل جانب القرار نفسه. فالإصرار على مغادرة إيطاليا كان واضحاً ومتكرراً، حتى في ظل تجربة الطرد من روسيا قبل فترة قصيرة، ومع وجود بدائل آمنة نسبياً داخل البلد المضيف.
السؤال هنا ليس فقط: من ساهم لاحقاً؟
بل أيضاً: كيف اتُّخذ القرار في الأصل؟
إن اختزال ما جرى في “مؤامرة” يوفّر إجابة سهلة، لكنه يُضعف القدرة على فهم التعقيد الحقيقي. فالأحداث الكبرى لا تُصنع فقط في الخارج، بل تبدأ غالباً من الداخل: من نمط التفكير، من مركزية القرار، ومن تجاهل التحذيرات حين تتكرر.
وبهذا المعنى، لا تبدو النهاية نتيجة خطة واحدة محكمة بقدر ما هي تفاعل بين قرار داخلي حاسم، وظروف دولية معقدة، ومسار لم يُراجع في الوقت المناسب.
أما البداية الحقيقية، فكانت هناك، في تلك الغرفة،
حول طاولة، مع فنجان شاي،
حين قيل كل شيء بوضوح…
لكن الطريق اختير كما هو، دون رجعة.