لماذا يخاف العالم من سقوط إيران؟

د. محمود عباس

في النقاشات التي تدور اليوم داخل مراكز التفكير في واشنطن وبروكسل وطوكيو، لا يُطرح السؤال عن إيران بصيغته التقليدية، هل يسقط النظام أم يبقى؟ بل يُطرح بصيغة أكثر إرباكًا وعمقًا، هل يمكن للعالم أن يتحمّل سقوط النظام الإيراني أصلًا؟ فإيران ليست دولة هامشية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، بل عقدة مركزية في توازنات تمتد من الخليج إلى آسيا الوسطى، ومن القوقاز إلى شرق المتوسط. ولهذا فإن أي تحول جذري فيها لا يُقرأ كحدث داخلي فحسب، بل كزلزال جيوسياسي قد يعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها.

من هنا يأتي الحذر الذي يبديه كثير من الاستراتيجيين الغربيين، ومن بينهم بعض إستراتيجيي البيت الأبيض، تجاه فكرة انهيار النظام الإيراني. فالمسألة، في نظرهم، ليست مسألة تغيير نظام سياسي فحسب، بل مسألة استقرار دولة كبيرة ومعقدة. إيران ليست دولة صغيرة يمكن احتواء اهتزازاتها بسهولة؛ إنها دولة يزيد عدد سكانها على ثمانين مليون نسمة، تمتلك جيشًا كبيرًا، وبنية نووية متقدمة، وشبكة نفوذ إقليمي تمتد عبر أكثر من ساحة صراع في الشرق الأوسط. ولهذا يخشى كثير من الباحثين أن يؤدي سقوط مفاجئ للنظام إلى تكرار مشهد الفوضى الذي شهدته المنطقة بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، حين انهارت مؤسسات الدولة واندفعت البلاد نحو سنوات طويلة من الاضطراب والعنف.

لكن المخاوف، وأعني مخاوف الدول الكبرى قبل الإقليمية، لا تقف عند حدود الفوضى السياسية. فإيران دولة متعددة القوميات والهويات، فرس وكورد وأذريون وعرب وبلوش وغيرهم. وفي مثل هذا التركيب الاجتماعي المركّب، قد يؤدي انهيار الدولة المركزية إلى إطلاق ديناميات كامنة من التوترات القومية والإقليمية. إن الدول متعددة القوميات تستطيع أن تعيش طويلًا تحت مظلة الدولة القوية، لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما تتفكك تلك المظلة. ولهذا يحذر بعض الباحثين من أن انهيار النظام الإيراني قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية تعيد إنتاج نماذج التفكك التي عرفتها دول أخرى في المنطقة.

ويزداد القلق تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني. فإيران ليست مجرد دولة تسعى إلى امتلاك التكنولوجيا النووية؛ إنها تمتلك بالفعل بنية علمية وصناعية متقدمة في هذا المجال. وفي حال انهيار الدولة أو تفكك مؤسساتها، قد يصبح السؤال الأخطر ليس من يحكم إيران، بل من يسيطر على هذه البنية النووية الحساسة. وهذا احتمال يثير قلقًا عميقًا لدى القوى الكبرى التي تدرك أن الفوضى في دولة نووية محتملة قد تكون أخطر من استقرارها تحت نظام معادٍ.

وإلى جانب هذه المخاوف، يطرح بعض الباحثين احتمالًا آخر لا يقل إزعاجًا، أن سقوط النظام الحالي لا يضمن بالضرورة ظهور نظام أكثر اعتدالًا. فالتاريخ السياسي مليء بثورات لم تُنتج أنظمة أكثر انفتاحًا، بل أفرزت في بعض الأحيان قوى أكثر تشددًا وصلابة. ومن ثم فإن انهيار النظام الإيراني قد لا يعني نهاية الأيديولوجيا المتشددة والداعمة للإرهاب، بل ربما إعادة تشكيلها في صيغة أكثر حدة، وخير مثال ما حدث بعد قتل قيادة إيران في أول يوم من أيام الحرب، حتى ولو كانت هناك شكوك حول خلفيات تنصيب مجتبى لمركزية آية الله.

ومع ذلك، لا يتفق الجميع مع هذه القراءة المتحفظة. فهناك تيار آخر من الباحثين يرى أن تغيير النظام الإيراني قد يفتح الباب أمام فرص سياسية واقتصادية جديدة للمنطقة. فالكثير من الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط ترتبط بدرجات مختلفة بالسياسات الإقليمية الإيرانية. ومن ثم يعتقد بعض المحللين أن تغيير طبيعة النظام في طهران قد يؤدي إلى تخفيف حدة هذه الصراعات، أو على الأقل إعادة تشكيلها في إطار أقل توترًا، وبالتالي منطقة أقل خطرا على العالم.

كما يرى هؤلاء أن إيران تمتلك إمكانات اقتصادية هائلة لم تُستثمر بالكامل بسبب العزلة والعقوبات. فالدولة التي تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وقاعدة بشرية متعلمة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا بين آسيا والشرق الأوسط، يمكن أن تتحول، في حال تغير سياساتها وإزالة النظام الإيديولوجي المتطرف، إلى قوة اقتصادية إقليمية مندمجة في الاقتصاد العالمي بدل أن تبقى في موقع المواجهة الدائمة معه.

غير أن السيناريو الذي يميل إليه عدد متزايد من مراكز الدراسات لا يقوم على فكرة السقوط المفاجئ للنظام، بل على احتمال تحول بطيء داخل بنية النظام نفسه. فالدول الكبرى في التاريخ نادرًا ما تتغير عبر الانهيار الكامل؛ بل غالبًا ما تشهد تحولات تدريجية في موازين القوى داخل مؤسساتها. وفي هذا السيناريو قد يحدث تغير تدريجي في بنية السلطة، أو إصلاحات سياسية واقتصادية محدودة، أو إعادة ضبط للعلاقات الخارجية، دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الدولة نفسها.

وهكذا يتبين أن السؤال الحقيقي لا يكمن في معرفة ما إذا كان النظام الإيراني سيسقط أم لا، بل في فهم كيف يمكن أن يحدث أي تغيير في إيران دون أن يتحول إلى فوضى إقليمية واسعة. فإيران ليست مجرد دولة أخرى في الشرق الأوسط؛ إنها محور توازنات معقدة تمتد عبر عدة مناطق جيوسياسية. ولهذا السبب تتعامل القوى الكبرى مع الملف الإيراني بحذر بالغ، لأنها تدرك أن أي تحول كبير في طهران لن يبقى حدثًا محليًا، بل قد يعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط وآسيا لعقود قادمة.

فيكون السؤال الأكثر إرباكًا ليس، هل سيتغير النظام الإيراني؟ بل، هل العالم مستعد فعلًا لما قد يحدث بعد ذلك التغيير؟

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

15/3/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…