نوروز يكشف الخلل: من يتحمّل مسؤولية الأمن في سوريا في ظل غياب الاتفاق السياسي والقانوني النهائي بين الإدارة الذاتية ودمشق؟

شادي حاجي 

في أي بقعة من العالم، تُقاس شرعية السلطة—بغض النظر عن شكلها أو درجة الاعتراف بها—بقدرتها على حماية الناس وضمان أمنهم وصون كرامتهم. هذه ليست مسألة سياسية بقدر ما هي التزام قانوني وأخلاقي، يزداد إلحاحاً في السياقات الهشة والمعقدة مثل الحالة السورية، حيث تتعدد السلطات وتتداخل مناطق النفوذ.

من منظور القانون الدولي الإنساني، لا تُبنى المسؤولية على الاعتراف السياسي، بل على معيار السيطرة الفعلية. فكل طرف يفرض سيطرته على إقليم وسكان، يتحمل التزامات واضحة تجاههم، وعلى رأسها حماية المدنيين وضمان الأمن العام. هذا المبدأ يجد جذوره في اتفاقيات جنيف، التي تُلزم أطراف النزاع—بما في ذلك الجهات غير الحكومية—باحترام قواعد أساسية مثل حماية المدنيين ومنع الاعتداء على حياتهم وكرامتهم.

ما شهدته بعض المناطق الكردية خلال احتفالات نوروز يسلّط الضوء مجدداً على سؤال جوهري: من يتحمّل المسؤولية عندما يحدث انتهاك؟ الجواب، قانونياً، هو أن المسؤولية تقع على عاتق الجهة التي تمارس السيطرة الفعلية على الأرض. هذه القاعدة لا تتغير بتغير الاصطفافات السياسية أو الادعاءات السيادية، بل ترتبط مباشرة بواقع النفوذ الأمني والإداري.

في هذا السياق، يُعزّز البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف هذا الفهم، إذ ينطبق على النزاعات غير الدولية—كما هو الحال في سوريا—ويؤكد التزام جميع الأطراف بحماية الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، واحترام حقوقهم الأساسية دون تمييز.

في هذا الإطار، لا يمكن التعامل مع المناطق السورية كوحدة متجانسة. فلكل منطقة سلطتها القائمة، سواء كانت جهة حكومية، إدارة ذاتية، أو قوى أمر واقع مدعومة خارجياً. وبالتالي، فإن أي إخلال بالأمن أو اعتداء على الأفراد أو الممتلكات أو الرموز القومية والثقافية والدينية يجب أن يُنسب مباشرة إلى الجهة المسيطرة، التي يقع عليها واجب المنع والمحاسبة.

غير أن تعقيد المشهد لا يتوقف عند تعدد السلطات، بل يتعمق بسبب غياب العدالة واتفاق سياسي وقانوني نهائي وشامل بين دمشق والإدارة الذاتية. فالعلاقة بين الطرفين لا تزال محكومة بتفاهمات جزئية وترقيعية ومؤقتة، تفتقر إلى إطار قانوني وإداري واضح يحدد المسؤوليات بدقة ويؤسس لآليات مساءلة فعالة. هذا الفراغ يخلق مساحة رمادية، تُستخدم أحياناً لتبادل الاتهامات بدلاً من معالجة الانتهاكات.

هنا يبرز أيضاً مبدأ واجب العناية ، وهو من المبادئ المستقرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، والذي يفرض على السلطات اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الانتهاكات والتحقيق فيها ومحاسبة مرتكبيها. وبالتالي، فإن التقاعس عن منع الانتهاكات أو ملاحقتها قد يشكّل بحد ذاته إخلالاً بالالتزامات القانونية.

إن غياب هذا الاتفاق لا يبرر التقصير، بل على العكس، يضاعف من مسؤولية كل طرف داخل مناطق سيطرته. فعدم وضوح الشرعية السياسية لا يلغي الالتزامات الأساسية تجاه السكان. حماية الاحتفالات القومية والدينية والطائفية والثقافية، مثل نوروز، ليست مجرد مسألة رمزية، بل تندرج ضمن حماية حرية التعبير والحقوق القومية والثقافية، وهي حقوق مكفولة بالمرسوم الرئاسي رقم ١٣  وأيضاً بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

المشكلة الأساسية اليوم ليست فقط في وقوع الانتهاكات، بل في غياب منظومة قانونية واضحة للمساءلة. فحين تتعدد السلطات دون وجود إطار جامع، تصبح المحاسبة انتقائية أو غائبة، ويُترك المدنيون في دائرة الهشاشة.

إن أي مقاربة جادة للاستقرار في سوريا يجب أن تنطلق من مبدأ بسيط: كل سلطة مسؤولة بالكامل عن أفعالها ضمن نطاق سيطرتها. وهذا يتقاطع أيضاً مع قواعد مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دولياً، التي تؤكد أن كل كيان يمارس وظائف سلطة عامة يتحمل تبعات أفعاله.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن تحقيق استقرار طويل الأمد دون الوصول إلى تفاهم نهائي بين دمشق والإدارة الذاتية، يحدد الصلاحيات، ويوحّد المعايير القانونية، ويؤسس لنظام مساءلة عادل وفعّال.

حتى يتحقق ذلك، ستبقى المسؤولية قائمة، لكن العدالة ناقصة.

وإلى مستقبل أفضل

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…