اكرم حسين
في تاريخ الشعوب والثورات، هناك رموز تتجاوز أدوارها السياسية المباشرة لتصبح علامات فارقة في مسار الوعي الجمعي ، ومن بين هذه الرموز، يبرز اسم الشهيد مشعل التمو كحالة إشكالية تتحدى القراءات الاختزالية، وتضعنا أمام ضرورة تفكيك العلاقة بين القومي والوطني، الهوية والمواطنة، المشروع السياسي والعمق الوجودي.
استحضار مشعل التمو اليوم يضعنا أمام مسؤولية كبرى ، إما أن نكتفي باستدعاء صورته كرمز وطني جامع، أو أن نواجه تعقيد مشروعه بكل أبعاده القومية والديمقراطية ، والوفاء الحقيقي لدمائه لا يتحقق باختزال إرثه في خطاب المواطنة وحده، ولا بتحويله إلى أيقونة قومية فحسب، بل بمقاربة إرثه بكل تناقضاته الظاهرية ووحدته العميقة.
يُمثّل مشعل التمو ظاهرة استثنائية في سياق النخب السياسية الكردية السورية، ليس فقط بوصفه أحد مؤسسي تيار مستقبل كردستان سوريا، بل أيضاً بصفته مثقفاً عضوياً حاول صياغة رؤية متكاملة للقضية الكردية تتجاوز الثنائيات وتتفادى التبسيطات الإيديولوجية التي طالما أحاطت بها. ففي خطابه، لا يمكن فصل الهوية القومية عن المشروع الوطني، كما لا يمكن اختزال القضية الكردية في مطالب حقوقية ضيقة أو تذويبها في خطاب وطني أحادي البعد.
جوهر المشروع الفكري للتمّو يقوم على رؤية إبستمولوجية للقضية الكردية بوصفها قضية وجود (كينونة) لا مجرد قضية مطالب (حقوق). فالمطالب يمكن منحها أو مساومتها ضمن سلم الأولويات السياسية، بينما الوجود القومي لا يقبل القسمة ولا التفاوض عليه ، ومن ثم، لم يكن ينظر التمو إلى الكرد بوصفهم “مكوناً” داخل النسيج السوري، بل بوصفهم شعباً له خصوصيته التاريخية والثقافية، ويمثّل وجوده على أرضه (الجزء الكردستاني الملحق بسوريا) بعداً أنطولوجياً لا يمكن اختزاله في معادلات اللامركزية الإدارية أو المواطنة المتساوية وحدها.
هنا تكمن المفارقة الجدلية في خطاب التمو: فهو لم يرَ الوطنية السورية نقيضاً للقومية الكردية، بل أسّس لعلاقة ديالكتيكية بينهما، تجلت في مقولته الشهيرة: “إن حل القضية الكردية هو المدخل الحقيقي للديمقراطية في سوريا”. حملت هذه المقولة قلب المنطق السياسي السائد . فالديمقراطية عنده ليست شرطاً مسبقاً تقدمه الدولة للكرد مقابل ولائهم، بل هي نتيجة طبيعية للاعتراف بالحقوق القومية الكردية ، وبعبارة أخرى، جعل التمو الحل القومي الكردي مدخلاً لتحرر السوريين جميعاً، وليس العكس.
إذا تعمقنا في هذه الجدلية، نجد أن التمو كان يُدرك أن المسألة الكردية في سوريا تحمل إشكاليتين متراكمتين: إشكالية الهوية (القومية) وإشكالية المواطنة (الحقوق) ، وبصفته مفكراً سياسياً قبل أن يكون ناشطاً، أدرك أن حل الإشكالية الثانية دون الأولى يبقي الجرح مفتوحاً، بينما الاعتراف بالهوية القومية يفتح الباب تلقائياً لحل إشكالية المواطنة ، ومن هنا كان إصراره على “عدم المساومة على الجزء الكردستاني” تعبيراً عن رؤيته التي ترى في الأرض امتداداً للهوية، وفي الهوية أساساً للحقوق.
وفي السياق ذاته، يمكن فهم موقف التمو من “استقلالية القرار الكردي” في ضوء هذه الرؤية المركبة. فاستقلالية القرار لم تكن تعني الانعزال عن المحيط الكردستاني، بل قدرة الكرد السوريين على صياغة مصيرهم بأيديهم في إطار انتمائهم القومي الطبيعي، دون وصاية من أحد ، وبذلك تجاوز إشكالية “التبعية مقابل الانعزال” التي وقعت فيها قوى كردية أخرى، فكان نموذجاً للسياسي الكردي الذي يحافظ على خصوصيته القومية دون أن يتحول إلى أداة إقليمية، ويتمسك بوطنيته السورية دون أن يذوب فيها على حساب هويته الكردية.
العودة إلى إرث التمو وتحليل بعض الأكاذيب المرتبطة به يكشف عمق رؤيته التي استشرفت إشكاليات ما بعد الثورة. فقد كان يدرك أن بناء سوريا الجديدة لن يتم عبر صياغة دستور جديد فقط، بل عبر إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها، بين المركز والأطراف، وبين الهوية الوطنية والهويات الفرعية ، ومن هنا وضع تصوراً مفاده أن الدولة الديمقراطية الحقيقية هي تلك التي تتسع للتنوع القومي بوصفه إثراءً لا تهديداً، وتقر بوجود “شعب كردي” له حقوقه الجماعية، وليس فقط “مواطنين أكراد” لهم حقوق فردية ، وهكذا ترك التمو إرثاً يجمع بين الوطني والقومي، بين الهوية والديمقراطية.
إن أفضل وفاء لدماء شهداء الثورة السورية يكمن في القدرة على فهم هذه الجدلية والتعامل معها بكل أبعادها، والتأكيد أن سوريا الجديدة لن تكتمل إلا باستيعاب التنوع القومي والثقافي للسوريين، والاعتراف بأن الكرد ليسوا مجرد “مكون”، بل شعب له حقوقه القومية التي لا تتناقض مع الوحدة الوطنية، بل تشكّل أساساً حقيقياً لها.