الأول من أيار… حين تختلط الذاكرة بالنضال

حسن قاسم

تعود ذكرى الأول من أيار في كل عام، فتوقظ في داخلي سنوات بعيدة من الحلم، والالتزام، والإيمان العميق بعدالة الإنسان وكرامته. لم يكن عيد العمال بالنسبة لي مناسبة عابرة، بل كان يوماً أستعيد فيه معنى النضال من أجل الفقراء والكادحين، ومعنى أن يكون للإنسان موقف يدافع عنه مهما كانت التضحيات.
منذ سنوات الصبا الأولى، انجذبت إلى الفكر الاشتراكي العلمي، ورأيت فيه مشروعاً للعدالة الاجتماعية ورفع الظلم عن الناس. لذلك انتميت عام 1968 إلى صفوف اتحاد الشباب الديمقراطي، وكانت تلك الخطوة بداية وعي سياسي مبكر صاغ شخصيتي، وفتح أمامي أبواب العمل العام والمسؤولية الوطنية. لاحقاً انضممت إلى الحزب الشيوعي السوري، مؤمناً بأن السياسة ليست شعارات ترفع، بل التزام أخلاقي يومي، وتضحية من أجل المبادئ.
داخل الحزب، عملت بإخلاص وتدرجت في المسؤوليات التنظيمية، وكنت أميناً لقناعاتي ولم أساوم عليها يوماً. غير أن الانتماء الحقيقي لا يعني الصمت، لذلك لم أتردد في إبداء ملاحظاتي المتكررة حول بعض جوانب سياسة الحزب، ولا سيما موقفه من القضية الكوردية في سوريا، التي كنت أراها قضية شعب يطالب بالاعتراف والحقوق والكرامة. طرحت هذه الآراء في اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات الحزبية، انطلاقاً من قناعتي بأن العدالة لا تتجزأ، وأن من يدافع عن العمال لا يمكنه تجاهل حقوق الشعوب.
في عام 1979 تعرضت للفصل من الحزب، بتهمة محاولة خلق تيار قومي داخل التنظيم الشيوعي. كان القرار مؤلماً، لكنه لم يهز ثقتي بنفسي ولا بصواب موقفي. دافعت عن أفكاري بثبات، وبعد مراجعات داخلية تم طي القرار وإعادتي إلى التنظيم، وعدت إلى نشاطي كما كنت، لأنني كنت أؤمن أن الخلاف في الرأي لا يجب أن يتحول إلى قطيعة، وأن الأحزاب الحية هي التي تستمع إلى النقد لا التي تخشاه.
شاركت في مختلف الفعاليات التي كان الحزب ينظمها، من احتفالات عيد العمال السنوية، إلى الكرنفالات والتجمعات الجماهيرية، كما ساهمت بشكل دوري في الكتابة في جريدة نضال الشعب الناطقة باسم الحزب. كانت تلك المرحلة غنية بالتجربة، مليئة بالأمل، وبالإحساس أن المستقبل يمكن أن يكون أفضل إذا توفرت الإرادة والنزاهة.
لكن كما يقال: لا يكتمل الحلو. فقد دخل الحزب لاحقاً في صراعات حادة وانشقاقات متتالية، أفرزت فصائل ضعيفة محدودة التأثير، وتسللت إلى بعض القيادات روح الانتهازية والفساد والخضوع لإغراءات المال السياسي والإقطاع السياسي. كان مشهداً مؤلماً لمن عاش التجربة بإخلاص، إذ رأيت كيف يمكن للمبادئ الكبيرة أن تتآكل حين تضعف الأخلاق ويغيب الصدق.
أمام ذلك الواقع، اتخذت قراري بترك التنظيم عام 1998، والتوجه إلى العمل المدني، إيماناً مني بأن خدمة المجتمع لا تنحصر في إطار حزبي، وأن الإنسان يستطيع أن يواصل رسالته بأشكال أخرى أكثر استقلالاً وحرية. وفي العام نفسه بدأت رحلة الاغتراب عن الوطن، متنقلاً إلى دولة قطر ثم إلى كوردستان العراق حيث أقيم اليوم في أربيل .
ورغم المسافات، لم تغادرني الذاكرة. فما زال الأول من أيار يحمل لي أصوات الرفاق، وهتافات الساحات، ووجوه البسطاء الذين حلموا بوطن أكثر عدلاً. وما زلت أؤمن أن النضال الحقيقي لا يُقاس بعدد المناصب ولا بالانتماءات الضيقة، بل بمدى وفاء الإنسان لقيمه، وقدرته على قول الحقيقة، والدفاع عن المظلوم، مهما تبدلت الأزمنة والظروف.
هكذا أرى مسيرتي اليوم: رحلة طويلة بين السياسة والعمل المدني والمنفى، لكنها قبل كل شيء رحلة وفاء للمبدأ، وإيمان بأن الإنسان الحر قد يخسر موقعاً، لكنه لا يجب أن يخسر نفسه.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماجد ع محمد من بعض الحقائق العلمية في أكثر من جانب من جوانب الحياة، أن التعاطي مع ملف ما في بقعة معيّنة ونجاحها هناك لا يعني بأن العملية ذاتها إن تكررت ستفلح في بقعة أخرى، مثلما أن الدواء المفيد لهذا الجسم ليس بالضرورة أن ينفع ذلك الجسد، ففي الجانب الصحي من الأخطاء الصحية الكارثية الاعتماد على الوصفات الجاهزة التي يلجأ…

شادي حاجي من أغرب المفارقات في سوريا الحديثة أن الكردي، الذي ينتمي إلى قومية غير عربية، كان يجد نفسه في بعض الوثائق الرسمية مُعرَّفاً بصفة “عربي سوري”. قد يبدو الأمر للبعض مجرد تفصيل إداري أو مسألة شكلية لا تستحق النقاش، لكن الحقيقة أن هذه العبارة تختصر أزمة دستورية وسياسية عميقة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل سوريا دولة لجميع مواطنيها،…

محي الدين حاجي التاريخ القريب والبعيد يثبت بلا مواربة أن فكرة التآخي والديمقراطية هي امنية وعاطفة لدى الطبقات الفقيرة المسحوقة وهدف السلطة والشهرة والاستبداد لقسم اخر وقد ولى عهدها عملياً. إن الأحزاب الشيوعية العالمية بقيادة الاتحاد السوفيتي سابقا — رغْم سلطتها الحديدية ونفوذها الذي حكم نصف الكرة الأرضية — فشلت فشلاً ذريعاً في صهر القوميات وتحقيق هذا الشعار….

أحمد بلال العمل السياسي والتنظيمي في بنائه يشبه البناء العمراني الذي تعتمد متانته على قوة أساساته. وليس من الضروري أن يكون المرء مهندسًا ليعرف أهمية الأساسات، فالمهندس والعامل البسيط يدركان معًا أن أي بناء لا يمكن أن يقف من دون أساس متين. الفرق أن المهندس يعرف الحسابات الدقيقة وكميات المواد اللازمة وطرق التنفيذ، بينما يدرك العامل من خلال خبرته…