الاممية المعاصرة هي نعمة ام نقمة

محي الدين حاجي

التاريخ القريب والبعيد يثبت بلا مواربة أن فكرة التآخي والديمقراطية هي امنية وعاطفة لدى الطبقات الفقيرة المسحوقة وهدف السلطة والشهرة والاستبداد لقسم اخر وقد ولى عهدها عملياً. إن الأحزاب الشيوعية العالمية بقيادة الاتحاد السوفيتي سابقا — رغْم سلطتها الحديدية ونفوذها الذي حكم نصف الكرة الأرضية — فشلت فشلاً ذريعاً في صهر القوميات وتحقيق هذا الشعار. وحتى الديانات السماوية ومنها الإمبراطوريات الإسلامية الاخيرة و المتعاقبة (الراشدين، الأمويين، العباسيين، والعثمانيين) لم تستطع توحيد شعوب المنطقة تحت هوية واحدة عابرة للقومية، بالرغم من أن الدين الإسلامي الحنيف هو دين مساواة وتسامح.والدول الأوروبية التي تعتبر الأكثر ديمقراطية في عالمنا  فشلت حتى الآن ترجمتها على ارض الواقع بدمج مجتمعاتها وازالة الحدود بينها .

إن هذه الأطروحات الحالية ( الامة الديمقراطية -مشروع اردوغان الاخواني – الحركات الاسلامية داعش واخواتها – اليسار القومي العربي –جبهات المقاومة الشيعية )لا تعدو كونها أدوات تخدم مصالح الدول الكبرى المهيمنة على الاقتصاد العالمي، والتي تعيد إنتاجها وتسويقها بشعارات براقة مثل التعايش والديمقراطية. وفي هذا المستنقع تتلاقى مشاريع تبدو متناقضة في الظاهر لكنها تتطابق في النتيجة؛ بدءاً من مشروع أردوغان وجماعة الإخوان المسلمين، مروراً بالحركات السلفية التكفيرية كـ قاعدة وداعش واحزاب الله الشيعية وصولاً إلى حركات اليسار القومي الشوفيني كحزب البعث، والحركة الناصرية، والقومية التركية. فجميع هذه المشاريع تلتقي عند نقطة واحدة وهدف واحد وهي السلطة .

إن فكرة “الأمة الديمقراطية” بمفهومها الفكري هي ايديولوجية جيدة وجميلة من الناحية النظرية وهي ليست ابتكاراً حديثاً؛ فمعظم الفلاسفة وأصحاب النظريات العلمية نادوا بالمجتمعات الديمقراطية والحرية وحكم الشعب نفسه بنفسه، كما أن الأديان السماوية في جوهرها طالبت بالعدالة والتكافؤ الاجتماعي. لكن مكمن الخطر في الأطروحة الفعلية وعلى ارض الواقع  هو مطالبتها للكورد  وغيرهم  من الشعوب بالتخلي عن “الشخصية القومية المستقلة” وصهرهم في قالبها الخاص .

وتتبدى المعضلة الكبرى عند محاولة إسقاط هذا الفكر على رقعة جغرافية كالشرق الأوسط، وهي منطقة لا تزال غريبة عن المعنى الحقيقي للحرية والديمقراطية والتحرر من العقلية العشائرية، وتئن تحت وطأة فكر عنصري، شوفيني، ينكر الآخر ولا يؤمن بوجوده أصلاً حتى وصل الامر الى استخدام العنف كما حصل مع نظام الحكم الإيراني مع جمهورية مهاباد وصدام حسين باستخدام الكيمياوي والانفال ونظام العسكر بتركيا والقوانين العنصرية والشوفينية بحق كرد سوريا  ويفتخرون بدولهم ورموزهم واعلامهم من جهة وينادون بالأخوة والمساواة من جهة أخرى.

من الاستبداد التنظيمي الى طغيان السلطة

البعد الأكثر خطورة في مشروع الاخوة والديمقراطية  وبناء منطقة خالية من الارهاب وتعايش الشعوب مع بعضها، هو تناقضه البنيوي الصارخ؛ إذ يقود هذا التوجه الشامل تيار أحادي واحد في هذه المجتمعات ذو فكر مختلف عن التيارات الاخرى  و يحتكر القرار والحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. وفي هذا السلوك إدانة ذاتية واضحة ونقض صريح لجوهر الفكرة.

إن هذه الهيمنة الأحادية تتبع مساراً حتمياً ومألوفاً في علم السياسة: إذ سرعان ما تتحول من  استبداد تنظيمي يقمع المخالفين في الرأي، إلىى اسستبداد سلطوي يفرض الهيمنة على المجتمع بقوة السلاح، لينتهي الأمر في فخ الدكتاتورية ، حينها يختزل التنظيم والمجتمع في شخص الطاغية  الذي يمسك بكل مفاصل الحياة، ليتحول الشعار الديمقراطي إلى مجرد غطاء لتثبيت حكم الفرد المطلق كما حصل مع الأسد واردوغان وحكم الملالي بايران وصدام حسين من شعار ديمقراطي الى حبيب الشعب ومن ثم الى دكتاتور والى طاغية الى طبع صورهم على عملات بلدانهم وتعليقها على كل مفاصل الحياة حتى وصل الفكرة ان بموتهم سيموت الدولة والمجتمع.ولا حياة بدونهم.

لا ديمقراطية ولا حرية بدون خصوصية قومية

إن الخلاصة السياسية التي يجب أن يعيها العقل السياسي الكردي في ظل هذه الأفكار الموجودة في هذه الدول التي تتقاسم وطنهم، هي أنه لا يمكن تحقيق ديمقراطية حقيقية أو عدالة اجتماعية مستدامة دون الحفاظ — أولاً وقبل كل شيء — على الحقوق القومية المشروعة للشعوب  ومن ضمنهم الشعب الكردي وعلى أرضه التاريخية، وتحصينها بدستور وقانون صارم يحمي الجميع.

لأن الاستسلام لمفهوم الاقلية والاغلبية  في الدول المتعددة القوميات وتحت شعار الامة الديمقراطية والحرية  وقبة البرلمان ونتائج الانتخابات  فهو منزلق مخادع ومفهوم مغلوط، تستغله القوميات الكبرى الحاكمة كغطاء شرعي  لقمع وإبادة المكونات الأصغر المتواجدة على أرضها التاريخية، وتمرير هذا الاضطهاد الجغرافي والقومي بحجة صناديق الاقتراع واللعبة الديمقراطية. إن الهروب إلى الأمام بتبني شعارات أممية  و دمج الشعوب براقة في بيئة شوفينية ليس نعمة، بل هي نقمة تقود إلى الانتحار السياسي وتصفية القضية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم ليست المشكلة في كثرة الأحزاب بحد ذاتها، فالتعددية السياسية قد تكون علامة صحة في المجتمعات الديمقراطية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى مجرد دكاكين سياسية، لا همّ لها سوى اقتناص حصتها من المال السياسي، والاتجار بمعاناة الناس، واستثمار القضية الكوردية لتحقيق مكاسب ضيقة لا تمت إلى المصلحة العامة بصلة. في روجافاي كوردستان، تجاوز عدد الأحزاب المئة، لكن…

شادي حاجي تُطرح فكرة المواطنة المتساوية في سوريا بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لبناء دولة حديثة قادرة على استيعاب تعددها القومي والديني والطائفي. لكن هذا المفهوم يبقى عرضة للتأويل وسوء الفهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية. فماذا تعني المواطنة المتساوية للكُرد؟ وهل تقتصر على منحهم الوثائق الرسمية والاعتراف بهم كمواطنين أمام القانون، أم أنها تتجاوز ذلك إلى الاعتراف بهم…

عبداللطيف محمد أمين موسى إن الظروف والتحديات والمتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية التي رافقت قيام الدولة سوريا الحديثة منذ عشرينات القرن المنصرم خلال الاستعمار الفرنسي، لا يمكن من خلالها القفز فوق الحقائق المثبتة بوقائع الأحداث؛ الا وهي مشاركة الشعب الكُردي جميع المكونات السورية فكرة بناء وتأسيس الدولة السورية الحديثة، ولطالما حاول نظام البعث المنطلق من مبادئه…

تتابع الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا بقلق بالغ وإدانة شديدة استمرار الاعتداءات والقصف الذي يتعرض له إقليم كوردستان العراق، ولا سيما المناطق الحدودية ومخيمات اللاجئين الكرد من شرق كردستان، على يد الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له، في انتهاك صارخ لسيادة جمهورية العراق والقانون الدولي، واستهدافٍ مباشر للمدنيين واللاجئين. إن هذه الهجمات، التي تطال إقليماً شكّل ملاذاً آمناً…