فيصل اسماعيل
على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون استثناء.
لقد شكّل مشروع الحزام العربي أحد أخطر السياسات التي استهدفت الوجود الكردي، ليس لأنه غيّر التركيبة السكانية في مناطق واسعة فحسب، بل لأنه زرع بذور الشك والعداء بين أبناء المنطقة، بعدما حوّل قضية سياسية إلى صراع مجتمعي. ولم يكن هذا المشروع ليحقق أهدافه لولا استغلال الأنظمة لبعض القوى المحلية لخدمة سياساتها القائمة على مبدأ “فرّق تسد”.
وجاءت أحداث قامشلو في آذار/مارس 2004 لتفتح جرحًا جديدًا، حين وقفت مجموعات من بعض عشائر الجوار إلى جانب أجهزة النظام السوري في مواجهة الاحتجاجات الكردية، الأمر الذي عمّق الشعور لدى كثير من الكرد بأن استهدافهم لم يكن أمنيًا فقط، بل وجد أيضًا من يسانده في محيطهم الاجتماعي.
ثم جاءت سنوات الحرب السورية لتضيف صفحة أكثر إيلامًا، مع انضمام أفراد ومجموعات من بعض عشائر الجوار إلى تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المتشددة، والمشاركة في الهجمات التي استهدفت المدن والقرى الكردية. وفي الوقت نفسه، من المهم التمييز بين من انخرط في تلك الأعمال وبين عشائر أو أفراد رفضوا التنظيم أو وقفوا ضده، لأن تحميل المسؤولية يجب أن يكون على من ارتكب الأفعال أو حرّض عليها، لا على جماعات بأكملها.
ولا يمكن تجاهل أن بعض الشخصيات والوجهاء العشائريين لعبوا، في مراحل مختلفة، دورًا في التحريض على الكرد أو تبرير السياسات التي استهدفت حقوقهم، وهو ما ساهم في تعميق الانقسام وإضعاف فرص التعايش. ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية لمشيخات ووجهاء العشائر اليوم لا تقتصر على رفض خطاب الكراهية، بل تمتد إلى مراجعة هذا الإرث وتصحيح مساره بما يخدم مستقبل المنطقة.
ويبقى السؤال الأهم: لماذا تكررت مشاركة بعض عشائر الجوار في المشاريع التي استهدفت الكرد، من الحزام العربي إلى أحداث عام 2004، ثم خلال سنوات الحرب السورية؟
إن الإجابة لا تكمن في وجود عداء متأصل، وإنما في عقود من السياسات التي غذّت الانقسام، وربطت مصالح بعض القوى المحلية باستمرار الصراع، ورسخت لدى بعض الأوساط العشائرية مخاوف من أي اعتراف بالحقوق القومية للكرد. وقد استغلت الأنظمة هذه المخاوف، وحولت بعض العشائر إلى أدوات في مشاريعها الأمنية والسياسية، ثم جاءت التنظيمات المتطرفة لتستثمر البيئة نفسها وتوسع دائرة العنف والكراهية.
لكن استمرار استحضار الماضي دون معالجته لن يؤدي إلا إلى إنتاج صراعات جديدة. ولذلك، فإن المسؤولية التاريخية اليوم تقع على عاتق مشيخات ووجهاء العشائر الكردية والعربية للانتقال من مرحلة الاتهامات المتبادلة إلى مرحلة المصارحة والمصالحة.
ومن هنا، فإن الوقت قد حان لتوجيه دعوة إلى عقد مؤتمر تشاوري يضم مشيخات ووجهاء العشائر الكردية والعربية، يكون هدفه فتح صفحة جديدة بين الجيران، بعيدًا عن إرث الأنظمة وسياسات الاستقطاب.
ولا ينبغي أن يكون هذا اللقاء مناسبة اجتماعية أو بروتوكولية، بل محطة تاريخية لإقرار ميثاق شرف عشائري يتضمن مبادئ واضحة، أبرزها:
الاعتراف المتبادل بأن الكرد والعرب مكونان أصيلان في سوريا، وأن لكل منهما حقوقًا يجب احترامها.
تجريم التحريض القومي والعشائري وخطاب الكراهية بكل أشكاله.
رفض استخدام العشائر في الصراعات السياسية أو العسكرية، أو الزج بها في الاقتتال بين المكونات السورية.
إدانة كل من يشارك أو يحرض على الاعتداء على أي مكون سوري، مهما كانت الذرائع.
تشكيل لجنة مشتركة من وجهاء العشائر للتدخل في احتواء أي توتر ومنع تحوله إلى صراع مجتمعي.
التأكيد أن أمن المنطقة واستقرارها لا يتحققان بإقصاء أي مكون، وإنما بالشراكة والعدالة والاحترام المتبادل.
إن مثل هذا الميثاق لن يمحو آلام الماضي، لكنه سيمنع تكرارها، وسيؤسس لعلاقة جديدة تقوم على الثقة بدل الشك، وعلى التعاون بدل التحريض.
إن قوة العشائر لا تُقاس بعدد أبنائها أو سلاحها، بل بقدرتها على إطفاء الفتن، وإصلاح ذات البين، وحماية السلم الأهلي. وإذا نجحت مشيخات ووجهاء العشائر الكردية والعربية في إطلاق هذه المبادرة، فإنهم لن يطووا صفحة مؤلمة من تاريخ المنطقة فحسب، بل سيضعون حجر الأساس لمستقبل يقوم على الشراكة والعدالة والاعتراف المتبادل، ويؤكد أن الحوار أقوى من السلاح، وأن المصالحة الصادقة وحدها قادرة على وقف نزيف الدم الذي أنهك الجميع.