توم برَّاك والبحث في المكان الخاطئ

ماجد ع محمد

من بعض الحقائق العلمية في أكثر من جانب من جوانب الحياة، أن التعاطي مع ملف ما في بقعة معيّنة ونجاحها هناك لا يعني بأن العملية ذاتها إن تكررت ستفلح في بقعة أخرى، مثلما أن الدواء المفيد لهذا الجسم ليس بالضرورة أن ينفع ذلك الجسد، ففي الجانب الصحي من الأخطاء الصحية الكارثية الاعتماد على الوصفات الجاهزة التي يلجأ إليها بعض الأطباء الكسالى أو المتكلين على النماذج السابقة، ممن لا يُتعبون أنفسهم في تشخيص الحالات بالشكل المطلوب، وما يقال عن الطب ينسحب على حقل السياسة أيضًا، فكما أن لكل جسد حالته الصحية الخاصة، ناهيك عن عمر صاحبه، وزنه، جيناته، تاريخه المرضي، وحساسيته الشخصية؛ كذلك الأمر لكل مجتمع عرفه، عاداته، تركيبته السياسية، تراثه، حساسيته الإثنية، قوانينه، ثوابته، رموزه ومقدساته؛ ولا ينبغي للعاقل أن يستخدم المنهج نفسه هنا وهناك، كما كان يفعل الأطباء الجوالون في البلدات والقرى في سالف الزمان، ممن كانوا يستخدمون العدة نفسها والعقاقير نفسها مع معظم الناس، كذلك الأمر لا ينبغي للدبلوماسي المحترم أن يعتمد على الآلية نفسها أينما حط رحاله.

فبخصوص ما يطرحه المبعوث الأميركي الجديد في سوريا والعراق توم برَّاك، ورغبته في نقل التجربة التي أنجزها في سوريا بناءً على طلب مشغّله الإقليمي إلى العراق وخاصة إلى إقليم كردستان، يظهر أن سرعة تجاوب أتباع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، في سوريا، واستعجالهم في حل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بناءً على أوامر الزعيم “الرهينة” قد أغرت مشغلي المبعوث الأميركي الإقليميين لكي يفكروا بنقل تلك التجربة القاتلة بالنسبة إلى تلك القوات، والمظفَّرة طبعًا في نظر مشغلي ذلك المبعوث إلى إقليم كردستان العراق.

ولكن يبدو أنه غاب عن المبعوث “السمسار” وعن مشغّله الإقليمي أن قوات البيشمركة لم تتأسس من أجل إحراز الأغراض الوقتية لقوات التحالف الدولي لمقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على الأرض بالنيابة عنهم، ولا أنشأت قوات البيشمركة من أجل إنجاز مصالح الدول لبضعة أشهر ومن ثم ينتهي دورها، ولا تأسست قوات البيشمركة لغاية تكتيكية، أو لفترة زمنية محددة، ولا لتعمل تلك القوات الطوعية لدى الدول الداعمة بمقابل مالي صرف لا علاقة له بقضية شعب ووجوده وكرامته.

والأهم من هذا وذاك أنه ربما غاب عن المبعوث الأميركي، الذي يلبي مطالب المشغل الإقليمي، أن قوات البيشمركة لديها قيادة عريقة، وخلفها أحزاب لها تاريخ، وتلك القيادة تمتلك زمام ذاتها وليست مُدارة من قبل الآخرين، كما هو حال قوات قسد وقيادتها التي لا تمتلك زمام أدنى قرار، ولا تمتلك جرأة النطق بكلمة لا “للرهينة” الذي يلبي أهداف مَن يحتجزونه ليس الآن فحسب، وإنما منذ أن صار في عهدتهم، فهم الذين يمتلكون جسده وحتى رأسه، ومن لم يكن رأسه له فمن الطبيعي أن يكون شوره من رأس من يتحكم به.

وعلى الأغلب أغفل برَّاك ذلك الجدال الذي دار سابقًا بين الحاكم الأميركي في العراق بول بريمر ومسعود بارزاني فيما يتعلق بحل قوات البيشمركة، كما غاب عنه معرفة حقيقة وصورة البيشمركة المترسخة في وجدان الأمة والتي لا تخص حزبًا سياسيًا معيّنًا في إقليم كردستان العراق، لأن حل أو نزع سلاح البيشمركة معناه القضاء على أكثر من نصف التاريخ النضالي للحركة الكردية من جمهورية مهاباد إلى إقليم كردستان العراق، وإذا كان النظام البعثي البائد قد حاول جاهدًا القضاء على رمزية العمامة الحمراء في إقليم كردستان ولم ينجح في مسعاه لعشرات السنين، فإن المبعوث الدولي وبالاتفاق مع المشغلين في الجوار ينوي القضاء على رمزية الحركة الكردية برمتها، ومن شبه المؤكد أن قيادة الإقليم ستعيده خائبًا إلى مشغّله.

وللتأكيد على مكانة البيشمركة في وجدان الشعب فقد أُزيح يوم الأحد الفائت في حديقة البيشمركة القدامى بمدينة السليمانية الستار عن تمثالين لكل من عمر شيخموس (84 عامًا) وزوجته الراحلة أگنيتا كلينگ، بحضور عدد من الشخصيات السياسية والاجتماعية، ويُعرف عمر شيخموس بأنه أحد مؤسسي الاتحاد الوطني الكردستاني، حيث شاركت زوجته أگنيتا كلينگ في صفوف البيشمركة خلال سنوات العمل المسلح للحركة الكردية؛ ومن باب التذكير هنا، فصحيح بأن رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، حاله حال زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، من جهة الاضطرابات النفسية وعدم الاستقرار الذهني، كما أن الزعيمين من باب التمايز أو من باب النكاية بإخوانهم لديهما الاستعداد للتخلي عن كل الثوابت وخلع أثوابهما أيضًا لأعداء كردستان، إلا أن الفرق بينهما هو أن أنصار حزب الاتحاد الوطني الكردستاني لهم آراء ومواقف ووجهات نظر وقادرون على قول لا لرئيس الحزب والوقوف بوجهه إذا ما تجاوز حدوده، وليسوا من نمرة المريدين العميان كما هو حال أنصار عبدالله أوجلان، حيث بمقدور الزعيم المسجون سوق أتباعه نحو البيادي والجروف الهالكة من داخل سجنه!

أما عن الردود التي أعقبت تصريحات برّاك فهي كانت كثيرة بحق وسريعة وجديرة باسم قوات البيشمركة وتاريخها، ومن تلك الردود على سبيل الذكر وليس الحصر، فقد قال الرئيس مسعود بارزاني: “إن سلاح البيشمركة ليس مجرد قطع من حديد أو ترسانة أو أدوات للقتال فحسب، فسلاح البيشمركة يعني تاريخها وتضحياتها وكرامتها وعقيدتها”، كما سبق أن قال بارزاني في مناسبات مماثلة إن “قوات البيشمركة لم تتأسس بناءً على قرار ما حتى يتم حلها بقرار، فلا تنحل قوات البيشمركة بقراري أنا، ولا بقرارك أنت، ولا بقرار أي أحد، لأن البيشمركة تأسست بدماء ودموع شعب كردستان”.

ومن جانبه أكد رئيس ممثلية حكومة إقليم كوردستان في بغداد فارس عيسى عبد الكريم، أن قوات البيشمركة تمثل التعبير الأصدق عن إرادة الأمة الكوردية ورمزًا وجوديًا للصمود والتضحية وليس مجرد تشكيل عسكري عابر. فيما أشار عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، صبحي المندلاوي، إلى أن إقليم كوردستان إقليم اتحادي مثبت الصلاحيات والواجبات في الدستور العراقي، لافتًا إلى أن قوات البيشمركة كحرس للإقليم تلتزم بإمرة القائد العام للقوات المسلحة في كردستان وهو رئيس الإقليم بالتضامن والتنسيق القانوني والصحيح ضمن إطار العراق الاتحادي.

 

بينما شدد رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الكردستاني، محمد حاجي محمود، على أن قوات البیشمرکة لم تأخذ رخصة أو تستأذن أي جهة كانت لحمل السلاح، مشددًا على أن هذه القوات هي صمام الأمان لشعب كردستان، وقال حاجي محمود في تصريح شديد اللهجة: “إن البیشمرکة قوة نابعة من عمق الشعب، ووجدت لتدير معارك الدفاع عن الأمة وحماية مكتسباتها”، وتوجّه بحديثه إلى الأطراف التي تحاول المساس بمكانة هذه القوات قائلًا: “عليكم أن تذكروا اسم البیشمرکة وأنتم على وضوء”.

أما عن خطأ المقارنة الخائبة في سياسة المبعوث الأميركي الجديد توم برَّاك، ومحاولته إسقاط ما عمله في دولة ما على دولة أخرى والتي لا تعكس الواقع الحقيقي، وحيال المعيار الذي اتخذه برَّاك ونيته في تكرار ذات الخطة في العراق، يبدو أن المبعوث الأممي لم يشبع من مشهد الخراب والدمار والدماء في سوريا عقب الفوضى التي أعقبت خطته المدمرة في المناطق الكردية في سوريا ورؤيته بيادر الخسائر البشرية من القتلى والجرحى والأسرى والمغيبين خلال فترة شهرين فقط من تنفيذ مخططه، وربما شجعته فعلته السابقة لكي يُعيد الكرة في مكان آخر ومع أناس آخرين، لذا يود إعادة السيناريو نفسه في إقليم كردستان العراق، ولكن المتابع لشأن القيادة السياسية في إقليم كردستان يدرك جيدًا بأن توم برَّاك يعتمد على القياس الخاطئ، وحاله حال نصر الدين يفتش في المكان الخطأ، وفي هذا الإطار يُقال:

“إن الجيران وجدوا نصر الدين جاثيًا على يديه وركبتيه

فسألوه: عن ماذا تفتش يا ملا؟

أجاب: عن مفتاحي

وسرعان ما تجمع رهط من الجيران وراحوا يشاركون الملا في التفتيش

حتى ملَّ الجار الأوَّل وقد أعياه البحث وقال:

أين أضعت مفتاحك يا ملا؟

قال نصر الدين: في البيت

رباه! ولمَ تفتش هنا؟

أجاب الملا نصر الدين: لأن الضوء هنا أقوى”.

وقد يكون الضوء المسلط على إقليم كردستان من قِبل المتربصين ساطعًا جدًا، وهو ما يثير لعاب الباحث عن مصلحته على أرضها ولكن على حساب كرامة شعبها، وفي الوقت ذاته فليس من المعقول أن يكون المبعوث الأميركي ساذجًا، فلم ينهل الرجل ثقافته السياسية من حاكورة المغفلين، ولا نعتقد بأنه قيد التصور بأن تجربة إقليم كردستان العراق تشبه بأي حال من الأحوال تجربة حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية، ولكن على الأغلب فإن الإغراءات التي يتلقاها من مشغّله الإقليمي تدفعه لخوض هكذا مقاربة، عسى ولعل طينته تلتصق هذه المرة أيضًا، طالما أنها التصقت بجدار مصلحته ومصلحة الدولة التي حركته المرة الفائتة في سوريا، ليحقق عندئذ إذا ما فلحَ مراد مشغّله، وكسمسار دولي يقبض ثمن مخططاته الجهنمية لقاء ما يقوم به، هذا إن نجح في مسعاه، ولكنه وفق ما يُعرف عن قيادة إقليم كردستان، وعلى وجه الخصوص قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، فلن ينجح في تحقيق غايته الخبيثة ومآرب مشغّليه، لأنه مثل نصر الدين، يبحث في المكان الخاطئ.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي من أغرب المفارقات في سوريا الحديثة أن الكردي، الذي ينتمي إلى قومية غير عربية، كان يجد نفسه في بعض الوثائق الرسمية مُعرَّفاً بصفة “عربي سوري”. قد يبدو الأمر للبعض مجرد تفصيل إداري أو مسألة شكلية لا تستحق النقاش، لكن الحقيقة أن هذه العبارة تختصر أزمة دستورية وسياسية عميقة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل سوريا دولة لجميع مواطنيها،…

محي الدين حاجي التاريخ القريب والبعيد يثبت بلا مواربة أن فكرة التآخي والديمقراطية هي امنية وعاطفة لدى الطبقات الفقيرة المسحوقة وهدف السلطة والشهرة والاستبداد لقسم اخر وقد ولى عهدها عملياً. إن الأحزاب الشيوعية العالمية بقيادة الاتحاد السوفيتي سابقا — رغْم سلطتها الحديدية ونفوذها الذي حكم نصف الكرة الأرضية — فشلت فشلاً ذريعاً في صهر القوميات وتحقيق هذا الشعار….

أحمد بلال العمل السياسي والتنظيمي في بنائه يشبه البناء العمراني الذي تعتمد متانته على قوة أساساته. وليس من الضروري أن يكون المرء مهندسًا ليعرف أهمية الأساسات، فالمهندس والعامل البسيط يدركان معًا أن أي بناء لا يمكن أن يقف من دون أساس متين. الفرق أن المهندس يعرف الحسابات الدقيقة وكميات المواد اللازمة وطرق التنفيذ، بينما يدرك العامل من خلال خبرته…

أحمد بهاءالدين احمد* المقدمة : كثُر في الايام الماضية الحديث عن تجريد او تسليم البيشمركة سلاحهم للحكومة الاتحادية في العراق , أسوةً ببقية الفصائل والمليشيات الغير المنضبطة تحت جناح السلطة الاتحادية , وهذه مغالطة كبيرة وغير قانونية ودستورية . وفي هذه الدراسة سنوضح لكم الاسس القانونية والدستورية لهذه المشكلة . أولاً : الأساس الدستوري لقوات البيشمركة يُعد الدستور العراقي لسنة…