ماهين شيخاني
مقدمة: بين الحاجة إلى الحليف والخوف من التخلي
في العلاقات الدولية لا تُبنى التحالفات على العواطف أو المبادئ المجردة، بل على المصالح والحسابات الاستراتيجية. ومع ذلك، تبدو بعض التجارب أكثر إيلاماً من غيرها عندما تتكرر فيها دورة واحدة: تعاون عسكري وثيق، ثم تراجع سياسي عند تغير الأولويات.
ضمن هذا السياق تبرز التجربة الكوردية بوصفها واحدة من أكثر التجارب تعقيداً في الشرق الأوسط. فعلى امتداد قرن تقريباً، وجد الكورد أنفسهم في قلب تحولات إقليمية ودولية كبرى، وتحالفوا في مراحل مختلفة مع قوى دولية مؤثرة، لكنهم كثيراً ما شعروا بأن المكاسب العسكرية التي تحققت لم تُترجم إلى ضمانات سياسية طويلة الأمد.
السؤال هنا ليس ما إذا كانت القوى الكبرى “خانَت” الكورد بالمعنى الأخلاقي للكلمة، بل لماذا تتكرر فجوة التوقعات بين ما ينتظره الكورد من حلفائهم وما تفرضه حسابات تلك الدول ومصالحها المتغيرة؟
أولاً: التحالفات غير المتكافئة ومعضلة الطرف الأضعف
تكشف التجربة الكوردية عن معضلة معروفة في علم السياسة والعلاقات الدولية، وهي معضلة “التحالف غير المتكافئ”.
في هذا النوع من العلاقات، يكون أحد الطرفين قوة دولية كبرى تمتلك مؤسسات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية ضخمة، بينما يكون الطرف الآخر حركة سياسية أو قوة محلية تبحث عن الحماية أو الدعم أو الاعتراف.
في مثل هذه الحالات، تبقى قدرة الطرف الأقوى على تغيير أولوياته أكبر بكثير من قدرة الطرف الأضعف على التأثير في القرار النهائي.
وقد ظهر هذا النمط في أكثر من محطة تاريخية، بدءاً من التفاهمات الإقليمية في سبعينيات القرن الماضي، مروراً بالتحولات التي رافقت الحرب على تنظيم داعش، وصولاً إلى النقاشات الجارية اليوم حول مستقبل الترتيبات الأمنية في سوريا والعراق.
ثانياً: لماذا تبدو التجربة الكوردية أكثر حساسية؟
ليست القضية الكوردية الوحيدة التي واجهت تحولات في مواقف القوى الكبرى، فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة مشابهة في مناطق مختلفة من العالم.
لكن التجربة الكوردية تمتلك خصوصيات تجعل آثار هذه التحولات أكثر عمقاً.
غياب الدولة المستقلة
يفتقد الكورد إلى دولة قومية موحدة تمثلهم في النظام الدولي. وهذا يعني أن قدرتهم على التأثير في المؤسسات الدولية أو الدفاع عن مصالحهم عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية تبقى محدودة مقارنة بالدول ذات السيادة.
التوزع بين عدة دول
يتوزع الكورد بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، الأمر الذي يجعل أي تطور يتعلق بالقضية الكوردية مرتبطاً تلقائياً بحسابات إقليمية معقدة ومتشابكة.
وبالنسبة للقوى الكبرى، غالباً ما تكون المحافظة على العلاقات مع الدول القائمة أكثر أولوية من دعم مشاريع سياسية قد تُفسَّر بأنها تهدد استقرار الحدود القائمة.
الانقسامات الداخلية
لا يمكن تجاهل أن الانقسامات السياسية والحزبية داخل الساحة الكوردية نفسها أضعفت في كثير من الأحيان القدرة على التفاوض من موقع موحد.
وقد منحت هذه الانقسامات الأطراف الإقليمية والدولية مساحة أوسع للمناورة والتأثير.
ثالثاً: محطات صنعت ذاكرة سياسية كوردية
ساهمت مجموعة من الأحداث المفصلية في تشكيل الوعي السياسي الكوردي تجاه القوى الدولية.
ففي عام 1975، شكلت اتفاقية الجزائر نقطة تحول كبرى بعد توقف الدعم الذي كانت تتلقاه الحركة الكوردية في العراق، ما أدى إلى انهيار ثورة ايلول حيث ترك أثراً عميقاً في الذاكرة الجماعية.
وفي سوريا، شعر كثير من الكورد بأن الهجوم على عفرين عام 2018، ثم التغيرات التي رافقت الانسحاب الأمريكي من بعض المناطق عام 2019، عكست حدود الالتزام الدولي تجاه الحلفاء المحليين عندما تتغير الأولويات الاستراتيجية.
واليوم، تثير النقاشات المتعلقة بمستقبل قوات سوريا الديمقراطية، وكذلك آليات تمويل وتطوير قوات البيشمركة، تساؤلات مشابهة حول طبيعة الشراكات الدولية وحدودها.
ورغم اختلاف الظروف والسياقات بين هذه الأحداث، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في شعور متكرر بأن الدعم العسكري لا يتحول بالضرورة إلى التزام سياسي طويل الأمد.
رابعاً: هل يتحمل الكورد جزءاً من المسؤولية؟
إن أي قراءة جادة للتجربة الكوردية لا يمكن أن تكتفي بانتقاد سياسات القوى الكبرى فقط.
فثمة أسئلة داخلية لا تقل أهمية:
هل نجحت القوى السياسية الكوردية في بناء رؤية استراتيجية موحدة؟
هل تم الاستثمار بما يكفي في بناء المؤسسات الاقتصادية والسياسية المستقلة؟
هل تم التعامل مع التحالفات الدولية باعتبارها أدوات لتحقيق المصالح أم باعتبارها ضمانات دائمة؟
إن جزءاً من المشكلة يكمن في أن بعض النخب الكوردية تعاملت أحياناً مع الدعم الخارجي بوصفه بديلاً عن بناء عناصر القوة الذاتية، بينما أثبتت التجارب المتكررة أن التحالفات الدولية يمكن أن تتغير بسرعة عندما تتغير المصالح.
خامساً: ما الذي يمكن تعلمه من التجربة؟
ربما لا تكمن أهمية التجربة الكوردية في استذكار الخيبات السابقة فقط، بل في استخلاص الدروس منها.
وأبرز هذه الدروس:
أن التحالفات الدولية مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن القوة الذاتية.
أن وحدة الصف السياسي تبقى عاملاً حاسماً في تعزيز الموقف التفاوضي.
أن بناء المؤسسات الاقتصادية والإدارية المستقرة يوفر ضمانات أكثر استدامة من الوعود السياسية المؤقتة.
أن فهم منطق المصالح الدولية يساعد على إدارة العلاقات الخارجية بواقعية أكبر.
خاتمة: بين الواقعية السياسية وحق الشعوب
قد يكون من السهل تفسير كثير من محطات التاريخ الكوردي بوصفها سلسلة من الخيبات المتكررة، لكن الأهم هو فهم السياق الذي أنتجها.
فالقوى الكبرى لا تتحرك وفق منطق الوفاء أو الجحود بقدر ما تتحرك وفق حسابات المصالح والتوازنات. وهذه حقيقة لا تخص الكورد وحدهم، وإن كانت التجربة الكوردية من أكثر الأمثلة وضوحاً عليها.
لذلك فإن مستقبل القضية الكوردية لن يتحدد فقط بما تقرره العواصم الكبرى، بل أيضاً بقدرة الكورد أنفسهم على بناء مؤسسات قوية، وتطوير رؤية سياسية موحدة، وإدارة علاقاتهم الخارجية بقدر أكبر من الواقعية والاستقلالية.
ففي عالم المصالح المتغيرة، تبقى القوة الذاتية والوحدة الداخلية أكثر الضمانات استقراراً لأي شعب يسعى إلى حماية حقوقه وصياغة مستقبله.