إعادة تدوير البعث وتصفية الكوادر الوطنية: انحراف خطير في المسار الكردي بعد 2011

فيصل اسماعيل

 

ما جرى بعد 2011 لم يكن مجرد أخطاء سياسية عابرة، بل سلسلة قرارات فتحت الباب واسعًا أمام إعادة إنتاج الأزمة نفسها. في لحظة كان يفترض أن تُبنى فيها معايير جديدة على أساس التضحية والنزاهة، جرى العكس تمامًا: تم منح الفرصة لمن كانوا جزءًا من منظومة حزب البعث العربي الاشتراكي، ليعودوا بوجوه جديدة وأدوار مختلفة، وكأن شيئًا لم يكن.

تحت شعارات “الواقعية” و”الخبرة”، تم إدخال هذه الكوادر إلى مفاصل العمل السياسي الكردي، لا كحالات استثنائية، بل كخيار متعمد. والنتيجة لم تكن توسيعًا للقاعدة، بل تلويثًا لها. فبدل أن تُبنى الأحزاب على أسس نضالية، جرى اختراقها بعقليات اعتادت العمل ضمن منظومة الإقصاء والتبعية.

الأخطر من ذلك، أن هذا المسار لم يأتِ وحده، بل ترافق مع عملية تهميش ممنهجة للكوادر الوطنية. أولئك الذين دفعوا الثمن الحقيقي، تم دفعهم إلى الهامش، بينما تصدّر المشهد من لم يُعرف لهم موقف واضح في لحظات الحسم. لم يعد المعيار هو من صمد، بل من يستطيع التكيّف؛ لم يعد التقدير لمن ضحّى، بل لمن يجيد المناورة.

ومع ترسّخ هذا الواقع، ظهرت مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة. فبعد إدخال تلك العناصر، لجأ بعض المتنفذين داخل أطر مثل المجلس الوطني الكردي ومجلس غرب كوردستان إلى استخدام أدوات تنظيمية ظاهرها الوحدة وباطنها إعادة ترتيب موازين القوى. تم الدفع نحو عقد “مؤتمرات وحدوية” متكررة، لكن هذه المؤتمرات لم تكن دائمًا بهدف توحيد الصف، بل استُخدمت في كثير من الأحيان كوسيلة لخلط الأوراق، وإرباك القواعد، وإشغال الكوادر الوطنية بصراعات داخلية جانبية.

بهذه المناورات، تم إلهاء الرفاق الحقيقيين عن جوهر الخلل، وجرى تمرير إعادة التموضع بهدوء ودقة. وبينما كانت القواعد تنتظر إصلاحًا حقيقيًا، كانت تُفرض وقائع جديدة تُضعف الصوت الوطني، وتمنح الأفضلية لمن تم إدخالهم حديثًا أو لمن يجيدون لعبة التوازنات.

هذه ليست براغماتية سياسية، بل انحدار أخلاقي وتنظيمي. لأن أي مشروع يقايض تاريخه النضالي بمكاسب سريعة، إنما يفرّط بأساس وجوده. وما يُسمى “الاستفادة من الخبرة” تحوّل عمليًا إلى شرعنة لعودة نفس الذهنيات التي ساهمت في إضعاف المجتمع لعقود.

وفي الوقت الذي لم تشهد فيه مؤسسات الدولة أي تفكيك حقيقي لبنيتها، بقيت تلك الكوادر ممسكة بمفاصل الإدارة من جهة، وتتمدد داخل بعض قوى المعارضة من جهة أخرى. وهكذا، لم تخسر شيئًا، بل كسبت مساحات جديدة، مستفيدة من غياب المحاسبة ومن تخبط البدائل.

الحقيقة الصادمة:

لم يعد الخطر فقط في بقايا النظام، بل في قابلية بعض القوى لإعادة احتضانها. ولم تعد المشكلة في الخصم وحده، بل في من يفتح له الأبواب، ثم يغطي ذلك بمؤتمرات وشعارات توحيدية فارغة من مضمونها.

الخلاصة:

أي مشروع سياسي يهمّش أبناءه الحقيقيين، ويستبدلهم بمن كانوا جزءًا من المشكلة، هو مشروع يسير نحو التفكك مهما رفع من شعارات. ولا استعادة للثقة دون قطيعة واضحة مع هذا النهج، تعيد الاعتبار للكوادر الوطنية، وتضع حدًا لسياسة إعادة التدوير والمناورات التنظيمية.

فالثورات لا تُهزم فقط بالسلاح، بل تُغتال حين يُسلَّم قرارها، بوعي أو بدونه، إلى نفس الأدوات التي كانت سببًا في اندلاعها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…