شادي حاجي
تُعد مسألة تعريف الهوية في الوثائق الرسمية من أكثر القضايا حساسية في المجتمعات المتعددة القوميات ، وسوريا ليست استثناءً من ذلك . فمع تعقيدات التاريخ السياسي والاجتماعي ، يبرز سؤال جوهري : هل ينبغي أن تقتصر الهوية في الوثائق الرسمية على “ الجنسية السورية ” فقط ، أم يجب أن تتضمن أيضًا الانتماء القومي مثل “ عربي سوري ” أو “ كردي سوري ” ؟
هذا السؤال ليس تقنياً أو إدارياً بحتاً ، بل يعكس إشكاليات عميقة تتعلق بالمواطنة ، والاعتراف ، والعدالة .
من حيث المبدأ ، تقوم الدولة الحديثة على مفهوم المواطنة ، حيث تكون العلاقة بين الفرد والدولة علاقة قانونية متساوية ، بغض النظر عن العرق أو القومية أو الدين . ووفق هذا المنظور ، فإن الاكتفاء بذكر “ سوري ” في الوثائق الرسمية يبدو خياراً منطقياً ، لأنه يعزز المساواة ويحدّ من أي تمييز محتمل .
لكن هذا الطرح، رغم وجاهته ، يصطدم بواقع تاريخي معقد ، خاصة فيما يتعلق بالكورد في سوريا . فبالنسبة لشريحة واسعة منهم ، لا تكمن المشكلة في الصياغة بحد ذاتها ، بل في تاريخ من التهميش وإنكار الهوية . ومن هنا ، فإن حذف الانتماء القومي من الوثائق قد يُفهم ، في نظر البعض ، على أنه استمرار لسياسات سابقة بصيغة جديدة ، حتى وإن كان الهدف المعلن هو الحياد .
في المقابل، يطرح اتجاه آخر ضرورة الاعتراف الصريح بالهويات القومية ، بما في ذلك السماح بكتابة “ كردي سوري ” أو غيرها من التسميات . هذا الطرح يستند إلى فكرة أن العدالة لا تتحقق فقط بالمساواة الشكلية ، بل أيضاً بالاعتراف بالاختلاف . غير أن هذا الخيار يثير مخاوف مشروعة ، إذ قد يؤدي إلى تكريس الانقسامات داخل مؤسسات الدولة ، أو فتح الباب أمام أشكال من المحاصصة والتمييز غير المباشر .
بين هذين الاتجاهين، يبرز خيار ثالث يمكن اعتباره حلاً توافقياً : الاكتفاء بذكر “سوري” في خانة الجنسية ضمن الوثائق الرسمية ، مع إتاحة المجال أمام الأفراد ، بشكل اختياري تماماً ، للتعبير عن انتمائهم القومي في خانة منفصلة ، لا تُستخدم إلا لأغراض ثقافية أو إحصائية ، وتكون محمية قانونياً من أي استغلال تمييزي .
نجاح هذا النموذج لا يعتمد فقط على تصميم الاستمارة ، بل على وجود ضمانات دستورية وقانونية واضحة تمنع استخدام بيانات الهوية القومية في التوظيف أو التعيين أو أي من مجالات الحياة العامة . كما يتطلب اعترافاً فعلياً بالتعدد الثقافي ، يتجسد في سياسات تعليمية وثقافية تعكس هذا التنوع .
في نهاية المطاف ، لا يمكن اختزال القضية في كلمة تُكتب على الهوية . فالمسألة أعمق من ذلك ، وتتعلق بطبيعة الدولة نفسها : هل هي دولة تفرض هوية واحدة ، أم تعترف بتعدد مكوناتها ضمن إطار وطني جامع ؟
إن الوصول إلى صيغة عادلة يتطلب حواراً كردياً كردياً أولاً وحواراً وطنياً صريحاً يوازن بين مبدأ المساواة وحق الاعتراف ، ويأخذ بعين الاعتبار خصوصية التجربة السورية . وعليه ، يبقى السؤال مفتوحاً للنقاش : ما هو الشكل الأمثل للهوية في سوريا المستقبل ، بما يضمن وحدة الدولة وكرامة جميع مكوناتها وفي مقدمتها الشعب الكردي في سوريا ؟
وإلى مستقبل أفضل