ماجد ع محمد
الوقائع الميدانية المتكررة في أكثر من بقعة جغرافية منذ سقوط نظام البعث الحاكم، والاضطرابات البشرية لممارسي السطوة باسم السلطة من وقت فرار رأس السلطة السابقة إلى الآن، تؤكد بأن بلطجية السلطتين ـ الماضية والحاضرة ـ وشبيحتها المتلونين والمستحدثين هم من بؤرة ثقافية واحدة، فهم من أجل إثبات ولائهم المطلق للحاكم والحكومة جاهزون في كل مرحلة للنهش بأجساد الأبرياء والعزل، وبما أن أصحاب المخالب يتحركون بكامل الأريحية على مرأى الأجهزة الأمنية على طول البلد وعرضه، فهم إذن على أهبة الاستعداد لاختلاق الذرائع في أي مكانٍ كان كي يُفرغوا ما تجمع من الحقد المتراكم لديهم على كل الذين لا يشبهونهم.
وبات جليًا أن الهمج في سوريا لا يحتاجون إلى إذن أو ترخيص، ولا المنفعلون لأتفه سبب بحاجة إلى أوامر وقرارات، إنما فتوى عابرة من أرعنٍ عابر كافية لسوقهم سوق العجماوات، كما أنهم لا يحتاجون إلى الأدلة والبراهين لارتكاب أشنع التصرفات بحق أناسٍ لا شأن لهم بالذي هيَّج تلك القطعان المنفلتة، إنما يكفيهم خبر كاذب، أو قصة مختلقة، أو تسجيل مفبرك، حتى يُعبروا عن كامل همجيتهم، كما جرى السنة الماضية في حي جرمانا بمدينة دمشق، إذ إن تسجيلًا مفبركًا كان كافيًا للبدء بالعدوان الهستيري على أبناء الطائفة الدرزية في العاصمة السورية.
فبعد قيام شخصٍ واحدٍ في منطقة كوباني (عين العرب) بإنزال علم الدولة السورية من على ساريةٍ في مكانٍ عام، قام على إثرها عشرات الأنفار من مؤيدي السلطة السورية وحاملي ساطورها، بالاعتداء الوحشي على المدنيين الكُرد في أكثر من بقعة جغرافية وضربهم وإهانتهم وتكسير سياراتهم على الطرقات العامة، من دون أن يكون للمعتدى عليهم أي علم أو علاقة بما قام به ذلك النفر في كوباني؛ ولكن التواطؤ الضمني الواضح والذي له علاقة بالأحقاد السابقة وبالبنية الثقافية المشتركة بدا جليًا عندما تمت الاعتداءات على المدنيين العزل أمام عناصر الأمن الذين اكتفوا بالفرجة.
بل والأنكى من ذلك، أن عناصر الأمن أنفسهم في بعض النقاط شاركوا في تلك الاعتداءات الوحشية على المدنيين، وهو ما يشير إلى أن ممارسات القطعان المهاجمة على المحتفلين الكرد في عيد النيروز لها علاقة مباشرة بالبنية الأخلاقية والثقافية لهم، فالحقد الدفين هو الإطار الذي يجمعهم، والدليل على ذلك هو أن حادثة إنزال العلم حصلت في مكان واحد، وقام بها شخص واحد، بينما الهمج الذين اعتدوا على المدنيين الكرد كانوا بالمئات، وفي مناطق بعيدة عن بعضها جدًا كالشيخ مقصود بمدينة حلب ومنطقة عفرين وطريق إعزاز، هذا بالنسبة إلى الانتهاكات المصورة والتي علم الناس بها، وربما هناك عشرات الحالات المماثلة في أماكن أخرى ولكنها لم تصل للإعلام.
عمومًا لا ننفي بأن للرموز والأعلام القومية أو الوطنية مكانةً خاصة لدى معظم الأمم، ولكن الشعوب المتحضرة لا تتعامل معها وكأنها من المقدسات التي تدفعهم لارتكاب الجرائم دفاعًا عنها، ولا تمارس المجتمعات الراقية العنف الجماعي المفرط بحق أية جهة أو شخص بذريعة أنه أهان ذلك الرمز أو العلم، فمؤسسات الدولة هي وحدها المسؤولة عن محاسبة مرتكبي هكذا ذنوب، وعلى سبيل المثال فبالرغم من أن الصليب هو الرمز الأبرز والأكثر قدسية في الديانة المسيحية في كل العالم، ومع ذلك لم نرَ يومًا القطعان البشرية وهي تهاجم الصبابا أو المومسات اللواتي تتدلى الصلبان من بين نهودهن في ملاهي أو شواطئ العالم، بينما رأينا بعض الهمج من المسلمين في أكثر من مكان وهم يهجمون بطرائق وحشية على مَن قيل بأنهم أساؤوا إلى كتابهم المقدس.
كما أن الشعوب المتخلفة هي أكثر الشعوب التي تقدس الأعلام والرموز مقابل الحط من قيمة الإنسان وكرامته، ففي سوريا المبتلاة بآفة التخلف وسطوة المتخلفين، يمكن أن تعتدي عليك الأوباش المحسوبة على السلطة لمجرد الشك بأنك أسأت إلى صورة رمزهم أو علمهم، بينما في أميركا وعموم الغرب الحر فكيلوتات ممثلات الأفلام الإباحية هي أعلام تلك البلدان التي تعلي من قيمة الإنسان وليس الشيء المتعلق به، ولم نسمع يومًا بأن القطعان الهمجية أو شبيحة الدولة أو مؤيديها هاجموا استديوهات تلك الأفلام، أو غزوا منازل ممثلات البورنو دفاعًا عن العلم المستخدم كألبسة داخلية من قبلهن.
وباعتبار أن الهمج في سوريا من نفس الطينة البشرية، فهذا يعني بأن تصرفاتهم الحالية ليست وليدة اللحظة ولم تأتِ من فراغ، إنما هي امتداد لما كانوا عليه من قبل، والاختلاف الوحيد هو في الحجة التي ساقوها لأنفسهم وللعلم الذي يتلحفون به، والسمة المشتركة بين أصحاب المخالب في سوريا خلال العهدين، تبرهن بأن التربية الثقافية المعبّر عنها اليوم هي امتداد لتربية الأمس، والسلوك الممارس اليوم هو عين التصرف الهمجي الذي مورس طويلًا إبان سلطة الأمس، الأمر الذي يذكرنا بمكتوب الفيلسوف الفرنسي ميشيل هنري في كتابه (الهمجية) بقوله: “ليست الهمجية بداية بل هي لاحقة حالة الثقافة السابقة لها”.
وبالرغم من أن المجتمع الذي تناوله هنري هو المجتمع الغربي المعاصر الذي هيمنت عليه التكنولوجيا والتطور العلمي الكبير مقابل التراجع في الإطار الثقافي والفني، أي التقدم العلمي الملحوظ الذي يقابله تقهقر إنساني واضح، إلا أن السلوك والآلية التي يستخدمها الهمجيون في أبعد نقطة من كوكبنا تشبه إلى حد كبير سلوكيات وآليات الهمج في سوريا، فحسب الدراسات العلمية أن الإنسان الهمجي يتميز بتبني العنف كوسيلة أساسية للتعبير عن الرأي، ولديه تعطش لممارسة السطوة، وينتعش في ظل الفوضى والفلتان الأمني وانتشار داء المحسوبية، والهمجي يتسم بتبعية مطلقة، مع شوق جارف لفرض رأي واحد وقمع المخالفين، وهي نفس صفات الهمجيين في سوريا قبل وبعد.
ويبقى أخطر ما في موضوع الرعاع والهمجيين من حاملي سيف السلطة، أي سلطة كانت في سوريا، هو أنه إلى الآن ما تزال الرياح التغيرية تناسب وجهة سيولهم الجارفة بكل سلاسة في أيما اتجاه كان، طالما غابت القوانين التي تقيدهم، وتعطلت معايير العدالة التي تكبل تحركاتهم، وطالما أزيلت من أمامهم كل المصدات التي تحد من مخاطرهم، وما من شرائع صارمة تحد من هوسهم الهستيري في ممارسة العدوان بحق أي إنسان أو شريحة اجتماعية كانت.
في الأخير، ومن باب التذكير، فإن الاعتداءات الهمجية من قبل مؤيدي السلطة الجديدة تستحضر المثل الشعبي “خيار وفقوس”، حيث يعلم الكثير من السوريين أن عناصر من هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) الذين هم الآن عمود الدولة السورية، سبق لهم أن داسوا على العلم نفسه في محافظة إدلب أكثر من مرة، ولم يتعرض أي نفر سوري آخر في منطقة أخرى للأذى بسبب تصرفهم آنذاك، ولا تعرض أي شخص على أيدي أناس آخرين للعدوان كرد فعل لما حصل في إدلب، وهذه الازدواجية القميئة تذكرنا بما أورده الكاتب والصحفي الإسباني رفائيل سانشيث فرلوسيو وذلك عندما استهزأ بالمعيار الأخرق للعدالة عبر هذا الحوار المقتضب:
“أبتِ، لماذا إذا كان الحريق الذي تسببتُ في إشعاله بدون قصد مماثلًا تمامًا للحريق الذي تسببه أخي، عاقبتموني أنا بقسوة أكثر منه؟
يا بني لأن رائحة الشياط كانت أكبر بكثير”.