حين يصبح الاتهام ثقافة : من يربح من انقسام الكرد ؟

شادي حاجي 
في ظل التعقيدات المتزايدة التي تحيط بالمشهد السياسي الكردي في سوريا ، يبرز نمط من الخطاب العام يتّسم بقدر عالٍ من التوتر والانفعال ، حيث تتكرر مفردات مثل “ الخيانة ” و“ العمالة ” و“ السمسرة ” بوصفها أدوات جاهزة لتفسير الخلافات والتباينات . ورغم أن هذا الخطاب يعكس مشاعر حقيقية من القلق والإحباط ، إلا أن تحوّله إلى ممارسة شائعة في الوسط السياسي الكردي في سوريا يطرح تساؤلات جوهرية حول نتائجه ، وحول الجهة التي تستفيد فعلياً من تكريسه .
إن الإشكالية لا تكمن في وجود خلافات داخلية ، فالتعدد في الآراء والمواقف أمر طبيعي في أي فضاء سياسي حي ، بل في الطريقة التي تُدار بها هذه الخلافات . حين يتم اللجوء إلى التعميم ، والإشارة إلى “ البعض ” دون تحديد ، أو توجيه اتهامات خطيرة دون الاستناد إلى وقائع واضحة وأدلة قابلة للتحقق ، فإن النقاش يفقد طابعه السياسي الرصين ، ويتحوّل إلى حالة من التراشق الخطابي الذي يفتقر إلى الدقة والمسؤولية .
إن استخدام مفاهيم ثقيلة مثل “ الخيانة ” و“ العمالة ” لا يمكن أن يكون شأناً عابراً أو مجرد تعبير انفعالي ، بل هو توصيف يحمل أبعاداً سياسية وأخلاقية وقانونية عميقة . وعليه ، فإن إطلاق مثل هذه الأحكام دون معايير واضحة أو شواهد ملموسة ، لا يؤدي إلى كشف الحقائق ، بل يُسهم في إرباكها ، ويخلق مناخاً من الشك المتبادل الذي يقوّض الثقة بين الفاعلين السياسيين ، ويمتد أثره إلى المجتمع ككل .
من جهة أخرى ، يغيب عن هذا النمط من الخطاب إدراك طبيعة العمل السياسي ، الذي يقوم على إدارة التعقيد والتعامل مع توازنات دقيقة ، تتداخل فيها اعتبارات محلية وإقليمية ودولية . فليس كل تفاوض أو تسوية يُعد تنازلاً مذموماً ، كما أن ليس كل اختلاف في الرؤية يُفسَّر بالضرورة على أنه انحراف عن الثوابت . إن اختزال المشهد إلى ثنائية حادّة بين “ وطنية ” و“ خيانة ” يُفضي إلى قراءة سطحية ، تعجز عن استيعاب الواقع كما هو .
الأثر الأعمق والأكثر خطورة لهذا الخطاب يتمثل في نتائجه على العلاقات الكردية – الكردية في سوريا . فبدل أن يكون النقاش وسيلة لتقريب وجهات النظر وبناء مساحات مشتركة ، يتحول إلى عامل إضافي لتعميق الانقسام ، وتوسيع الفجوة بين القوى السياسية من جهة ، وبينها وبين الشارع الكردي من جهة أخرى . ومع مرور الوقت ، يتحول الاتهام من أداة استثنائية إلى ثقافة سائدة ، تُضعف القدرة على الحوار ، وتُرسّخ حالة من الاستقطاب المزمن .
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من المستفيد من هذا المسار ؟ من الواضح أن استمرار الانقسام الداخلي ، وتآكل الثقة ، لا يخدم أي مشروع سياسي يسعى إلى تحقيق مكاسب جماعية . بل على العكس ، يفتح المجال أمام قوى أخرى للاستفادة من حالة التشتت ، ويُضعف القدرة على التفاوض ، ويقلّل من فرص التأثير في مسار الأحداث .
إن الحاجة اليوم لا تقتصر على مراجعة المواقف السياسية ، بل تمتد إلى مراجعة اللغة المستخدمة في التعبير عنها . فالنقد ضرورة ، والمساءلة حق مشروع ، لكنهما يفقدان قيمتهما حين ينزلقان إلى التعميم أو التخوين غير الموثق . المطلوب هو ترسيخ خطاب بديل ، يقوم على الدقة ، ويستند إلى الوقائع ، ويفصل بين الاختلاف المشروع والاتهام الجائر ، بما يتيح إدارة الخلافات بطريقة بنّاءة لا هدّامة فالكلمة مسؤولية .
في المحصلة ، إن التحديات التي تواجه الشعب الكردي وحركته السياسية في سوريا بمختلف الأحزاب والأطر السياسية لا يمكن التعامل معها بخطاب يزيد من حدة الانقسام الداخلي ، بل تتطلب قدراً أعلى من الوعي والمسؤولية في إدارة النقاش العام . فبين ثقافة الاتهام ، وثقافة الحوار ، يتحدد المسار : إما نحو مزيد من التشرذم ، أو نحو بناء حد أدنى من التفاهم الذي يشكّل قاعدة لأي تقدّم ممكن .
وإلى مستقبل أفضل وأكثر نضجاً

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…