الاحتراق

د. محمود عباس

هل يمكن لشعبٍ ما يزال يبحث عن تثبيت وجوده، أن يتحمّل ترف تحويل النقد إلى ساحة تهجّم، والخلاف إلى انقسام؟ أم أننا اعتدنا أن نستهلك طاقتنا في الداخل، حتى بات الصراع بيننا أكثر وضوحًا من صراعنا مع من ينكرنا؟

هل أصبح النقد عندنا أداة لتصفية الحساب، لا وسيلة لتقويم المسار؟ وهل فقدنا القدرة على التمييز بين مساءلة التجربة وبين تقويضها؟ أم أن الخوف من الآخر داخل البيت الكوردي بات أقوى من مواجهة التحديات خارجه؟

وهل ننتبه أصلًا إلى أن جزءًا من هذا التآكل لا يُصنع بالكامل في الداخل؟

 أليس لافتًا أن كثيرًا من بذور الانقسام تُبثّ من خارجنا، من قوى تدرك هشاشة وعينا الجمعي وحدود مناعتنا السياسية؟ أم أننا، لضحالة في الوعي أو لعجز في التمييز بين الخطأ والصواب، نستقبل هذا الضخّ وكأنه موقف ذاتي، ثم نعيد إنتاجه بصيغ أكثر حدّة بيننا؟

وهل يعقل أن خصومنا، الذين خبروا تاريخنا جيدًا، لم يدركوا بعد أن أخطر ما يمكن زرعه فينا ليس القوة المضادة، بل الشك المتبادل؟ وإذا كانوا قد أدركوا ذلك، فهل أدركنا نحن حجم ما يُبثّ في وعينا؟ أم أننا نساهم، بوعي أو بدونه، في تنفيذ ما يُراد لنا، حتى نخسر ليس حاضرنا فقط، بل قادمنا أيضًا؟

هل يمكن لحراكٍ يدّعي أنه تحرري أن يُغرق نفسه في جدليات حزبية ضيقة، بينما قضاياه الكبرى ما تزال معلّقة؟ أم أننا لم نحسم بعد، هل نحن حركة تحرر، أم تجمع مصالح متنازعة؟

هل نملك شجاعة تأجيل صراعاتنا الداخلية إلى مرحلة لاحقة، كما فعلت شعوب كثيرة قبلنا، أم أننا نحمل خلافاتنا كهوية، لا كحالة عابرة؟ وهل يمكن أصلًا بناء مشروع وطني جامع، إذا بقي كل طرف يرى نفسه الحقيقة الكاملة، ويرى في الآخر خطأً يجب إقصاؤه؟

هل نستطيع أن نناقش خلافاتنا دون أن تتحول إلى انشقاقات؟ أم أن ثقافتنا السياسية ما تزال أسيرة منطق “إما معي أو ضدي”؟ وهل نملك أدوات إدارة الاختلاف، أم أننا ما زلنا نعيد إنتاجه بصيغ أكثر حدّة في كل مرة؟

هل وعينا السياسي كافٍ لتمييز اللحظة التاريخية التي نعيشها؟ أم أننا نكرر أخطاء سابقة، لكن بلغة جديدة؟ وهل ندرك أن التآكل الداخلي لا يُضعفنا فقط، بل يقدّمنا لخصومنا على طبق من ذهب؟

هل يمكن لقضية بحجم القضية الكوردية أن تنتصر، بينما خطابها الداخلي يتآكل بين التخوين والتشكيك؟ أم أن الانتصارات الكبرى تبدأ دائمًا من ضبط الداخل قبل مواجهة الخارج؟

ثم السؤال الأكثر إزعاجًا، هل نريد فعلًا أن ننجح؟ أم أننا، دون أن نشعر، أصبحنا نتقن إدارة الخلاف أكثر من بناء المشروع؟

ربما لا تكون المشكلة في غياب الإجابات، بل في غياب الجرأة على طرح هذه الأسئلة بصدق…

فالشعوب لا تُهزم فقط بقوة أعدائها، بل حين تتحول إلى ساحةٍ تُدار فيها معارك الآخرين دون أن تدري.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/4/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم لم تعد الأزمة التي تعيشها الحركة السياسية الكوردية في سوريا مجرد أزمة تنظيمات متفرقة أو خلافات حزبية عابرة، بل تحولت إلى أزمة ثقة عميقة بين الشارع الكوردي وبين معظم القوى التي تصدّرت المشهد السياسي طوال العقود الماضية. فبعد كل ما تعرض له الشعب الكوردي في سوريا من انتكاسات سياسية وقومية، ومن ضياع للفرص التاريخية، ومن ارتهان القرار الكوردي…

صديق ملا تتجلى مشيئة الله بأسمى معانيها وأجَّلِ صورها في أنه خالق السموات والأرض وما بينهما ، وخلق الإنسان من ذكر ٍ وأنثى وعلى شكل أقوام ٍ متعددة وشعوب ٍ مختلفة ً ومن بينها الشعب الكوردي . نعم لقد خلق الله الشعوب كما ورد في القرآن الكريم ليتعارفوا أي بمعنى يتفقوا فيما بينهم لا ليتقاتلوا أو ليتنافروا ولا ليستمر ظلم…

خالد حسو في هذه المرحلة المفصلية التي يمر بها شعبنا الكوردي، تبرز الحاجة الملحّة إلى توحيد الجهود وتغليب العمل المشترك على أي تباينات جانبية، بما يخدم قضيتنا القومية ويعزز مسارها السياسي والقانوني. إن تشكيل مرجعية قومية مستقلة بات ضرورة وطنية عاجلة، تضم نخبة من خبراء القانون، والمؤرخين، والجغرافيين، والسياسيين المستقلين، لتكون مرجعية جامعة وممثلاً معتمداً لقضيتنا القومية في هذه المرحلة…

علي شمدين لا يخفى على أيّ متابع لشؤون الحركة الكردية في سوريا أنها عانت، خلال مسيرتها، ولا تزال تعاني الكثير من الظواهر السلبية السياسية والتنظيمية المزمنة، التي وجّهت بوصلتها نحو ساحاتٍ غير ساحتها النضالية التي تأسست من أجلها في أواسط القرن المنصرم، وأهدرت تضحياتها في ميادين لا تمتّ إلى ميدانها السياسي الحقيقي بصلة. ومن أبرز هذه الأمراض فشلها في بلورة…