حسن قاسم
لم تعد الأزمة التي تعيشها الحركة السياسية الكوردية في سوريا مجرد أزمة تنظيمات متفرقة أو خلافات حزبية عابرة، بل تحولت إلى أزمة ثقة عميقة بين الشارع الكوردي وبين معظم القوى التي تصدّرت المشهد السياسي طوال العقود الماضية. فبعد كل ما تعرض له الشعب الكوردي في سوريا من انتكاسات سياسية وقومية، ومن ضياع للفرص التاريخية، ومن ارتهان القرار الكوردي لأجندات خارجية متناقضة، يبرز سؤال مشروع وملحّ:
هل ما زال بالإمكان ترميم الحركة السياسية التقليدية، أم أن المرحلة تفرض ولادة مشروع سياسي جديد بالكامل، يقوم على مراجعة شاملة وجذرية لكل التجارب السابقة؟
الحقيقة التي بات من الصعب تجاهلها هي أن جزءاً كبيراً من الأزمة الكوردية في سوريا لم يكن ناتجاً فقط عن تعقيدات الواقع السوري أو تآمر القوى الإقليمية والدولية، بل أيضاً عن سوء تقدير النخب السياسية الكوردية، وعجزها عن بناء مشروع وطني قومي واضح، يمتلك استقلالية القرار، ويقرأ التحولات الدولية بعقلانية وواقعية سياسية.
لقد دخلت الحركة السياسية الكوردية في دوامة الانقسامات والصراعات الشخصية والحزبية الضيقة، حتى تحولت القضية القومية في كثير من الأحيان إلى مجرد أداة للصراع على النفوذ والمكاسب، بينما بقي الشعب الكوردي يدفع وحده ثمن الأخطاء المتراكمة.
من هنا، فإن المرحلة الحالية لم تعد تحتمل إعادة تدوير ذات الوجوه والخطابات والأساليب القديمة، بل تتطلب مشروعاً تجديدياً حقيقياً، يمكن أن يتجسد في إطار سياسي جديد يحمل اسم “تيار النهضة الوطنية الكوردية”، كحالة سياسية عابرة للانقسامات التقليدية، تستند إلى رؤية واقعية، وتحاول إعادة بناء الثقة بين الشعب والعمل السياسي.
إن أولى ركائز هذا المشروع يجب أن تكون الابتعاد عن الأيديولوجيات الجامدة التي استنزفت الحركة السياسية الكوردية لعقود طويلة. فالواقع السوري والإقليمي اليوم لا يُدار بالشعارات الثورية أو العقائد المغلقة، بل بلغة المصالح والتوازنات والتحالفات الدولية. لذلك فإن الواقعية السياسية يجب أن تكون الأساس في صياغة أي مشروع جديد، دون التخلي عن الحقوق القومية والثوابت الوطنية.
وفي السياق ذاته، فإن استقلالية القرار السياسي الكوردي يجب أن تتحول إلى مبدأ غير قابل للمساومة. إذ لا يمكن لأي حركة سياسية أن تمثل شعبها فعلياً وهي خاضعة لوصاية هذا الطرف الإقليمي أو ذاك. فالتحالفات مطلوبة، والعلاقات الأخوية مع البعد الكوردستاني ضرورة قومية، لكن التبعية السياسية أثبتت أنها أحد أهم أسباب إضعاف القرار الكوردي السوري وتحويله إلى ورقة ضمن صراعات الآخرين.
كما أن أي مشروع سياسي جديد لا بد أن يضع الثوابت القومية في مقدمة أولوياته، باعتبارها خطوطاً حمراء لا يجوز تجاوزها أو المساومة عليها. فالشعب الكوردي ليس أقل شأناً من بقية شعوب المنطقة، ومن حقه الطبيعي أن يعيش حراً على أرضه التاريخية، وأن يسعى إلى تقرير مصيره بنفسه، وأن يطمح مستقبلاً إلى بناء كيانه القومي المستقل وفق ما تسمح به الظروف التاريخية والتحولات الدولية.
لكن التمسك بالثوابت لا يعني الجمود أو الانغلاق، بل يفرض اعتماد البراغماتية السياسية كأداة لإدارة المرحلة. فالقضايا الكبرى لا تتحقق دفعة واحدة، وإنما عبر تراكمات سياسية ودبلوماسية وعبر قراءة دقيقة لموازين القوى. لذلك فإن المشروع الجديد يجب أن يمتلك مرونة تكتيكية دون أن يفقد بوصلته الاستراتيجية.
ومن الضروري أيضاً أن يدرك هذا التيار أن العالم اليوم لا تحكمه العواطف أو الشعارات الأخلاقية، بل المصالح الدولية. لذلك فإن تعزيز العلاقات مع الدول المؤثرة وصاحبة القرار السياسي العالمي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية قومية ناجحة. فالشعوب الصغيرة التي تعيش وسط مناطق النزاع لا تستطيع حماية مكتسباتها دون شبكة علاقات دولية متوازنة وقادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية السياسية.
وفي الداخل السوري، لا يمكن لأي مشروع كوردي أن ينجح إذا لم يقدم نفسه كشريك حقيقي لبقية المكونات الوطنية. فالكورد ليسوا في صراع مع الشعوب الأخرى، بل مع سياسات الإقصاء والاستبداد. ومن هنا فإن الاعتراف بحقوق جميع المكونات القومية والدينية في سوريا، وبناء شراكة وطنية قائمة على العدالة والمساواة، يشكل عاملاً أساسياً في حماية القضية الكوردية نفسها وتعزيز مشروع الدولة الديمقراطية المستقبلية.
أما على المستوى التنظيمي، فإن أحد أبرز أسباب انهيار الثقة بالأحزاب التقليدية هو غياب ثقافة النقد والنقد الذاتي، وتحول القيادات إلى مراكز مغلقة غير قابلة للمحاسبة. ولذلك فإن أي إطار سياسي جديد يجب أن يؤسس لثقافة مؤسساتية حديثة، تقوم على الشفافية، وتداول المسؤوليات، واحترام الكفاءات، ومراجعة الأخطاء بشجاعة بعيداً عن عقلية التخوين والتقديس.
إن الشعب الكوردي في سوريا يعيش اليوم مرحلة مفصلية قد تحدد مستقبله لعقود طويلة. والاستمرار في إنتاج ذات التجارب الفاشلة لن يؤدي إلا إلى المزيد من التراجع والانقسام وفقدان التأثير. لذلك فإن الحاجة أصبحت ملحة لولادة مشروع سياسي جديد، يمتلك الجرأة على القطيعة مع إرث الإخفاقات، ويعيد تعريف العمل القومي الكوردي بوصفه مشروعاً وطنياً استراتيجياً، لا مجرد صراع حزبي محدود.
ربما يكون الطريق طويلاً وصعباً، لكن الشعوب التي تمتلك إرادة البقاء قادرة دائماً على إنتاج نخب جديدة، وأفكار جديدة، وأطر سياسية أكثر نضجاً. والتاريخ يثبت أن لحظات الانكسار الكبرى قد تتحول أحياناً إلى بداية حقيقية لنهضة جديدة، إذا توفرت الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء والانطلاق نحو مستقبل مختلف.