علي شمدين
لا يخفى على أيّ متابع لشؤون الحركة الكردية في سوريا أنها عانت، خلال مسيرتها، ولا تزال تعاني الكثير من الظواهر السلبية السياسية والتنظيمية المزمنة، التي وجّهت بوصلتها نحو ساحاتٍ غير ساحتها النضالية التي تأسست من أجلها في أواسط القرن المنصرم، وأهدرت تضحياتها في ميادين لا تمتّ إلى ميدانها السياسي الحقيقي بصلة. ومن أبرز هذه الأمراض فشلها في بلورة برنامج سياسي يعكس واقعها السياسي بموضوعية، وينسجم مع خصوصيات نضالها القومي، ويرسم الملامح الرئيسية لشخصيتها الاعتبارية، الأمر الذي حال دون بروز قياداتٍ محلية كاريزمية، وجعلها تنجذب، بصورة ارتجالية، نحو شعاراتٍ عاطفية برّاقة، كانت تُضخّ إليها بصورةٍ مبرمجة من هنا وهناك.
وفي مواجهة واقع كهذا، لم تبادر الحركة الكردية في سوريا إلى معالجة هذه الظاهرة أو البحث عن حلولٍ لها، كما لم تُكلّف نفسها عناء البحث عن آليات تمكّنها من صياغة برنامج سياسي مشترك يوازن بدقة وموضوعية بين البعدين القومي والوطني. بل ظلّت تعتمد المثل الكردي القائل: (ألقِ الحجرَ بعيداً حتى يقعَ قريباً)، أسلوباً في إدارة العملية السياسية، وتتخذه بوصلة لها في طرح شعارات لا تناسب واقعها ولا تنسجم مع خصوصية نضالها. فكانت تطرح في كل منعطف وطني شعارات عاطفية سرعان ما كانت تتخلى عنها بعد أن تأخذها الجهات الشوفينية ذريعة لتنفيذ مشاريعها التي كان الشعب الكردي يدفع ثمنها باهظاً.
وبعودة سريعة إلى سجل هذه الشعارات التي طرحت بين الحين والآخر في الساحة الكردية في سوريا، من جانب معظم أطراف الحركة الكردية في سوريا، وإن بدرجات متفاوتة، والتي ساهمت بهذا الشكل أو ذاك في تشويه نضالها الوطني، وفي التشويش على عدالة قضيتها القومية. فبعد الإعلان عن انطلاقة الحركة الكردية في سوريا بفترة قصيرة، بادرت تلك الأطراف إلى طرح شعار (تحرير وتوحيد كردستان)، ولم تتخل عنه إلّا بعد أن أخذته الجهات الشوفينية غطاءً لتنفيذ مشروعيها العنصريين (الإحصاء الاستثنائي، والحزام العربي)، لتتراجع عنها فيما بعد إلى المطالبة فقط بالحقوق (السياسية، والثقافية، والاجتماعية). ومع تصاعد المد الشيوعي في المنطقة أوائل السبعينيات من القرن الماضي، عادت إلى الترويج لشعار (حق تقرير المصير)، لتتراجع عنه أيضاً، بعد أن أخذته الجهات الشوفينية غطاءً لنقل عرب الغمر إلى الجزيرة وإسكانهم في مستوطنات زرعتها على طول الحدود مع تركيا، وتقول بأنها لم تكن تقصد حق الانفصال وبأنها لم تطرحه إلّا كمبدأ نظري ليس إلّا. ومع بدء الأزمة السورية قامت بطرح شعارات من قبيل (الفيدرالية)، و(اللامركزية السياسية)، وغيرها من الشعارات التي سرعان ما كانت تتخلى عنها، لتعود، بعد فوات الأوان، وتستقر على بعض المطالب اللغوية والثقافية وعدد من المناصب الإدارية فقط، ولعل ما جرى خلال كونفرانس (26 نيسان 2025)، يؤكد هذه الحقيقة المرّة مع الأسف.
فبالرغم من أن الكونفرانس كان قد شكَّل نقلة نوعية على طريق وحدة الصف والموقف الكردي في سوريا، حيث اجتمع، ولأول مرّة في تاريخ الحركة الكردية في سوريا، ممثلو مختلف الأحزاب السياسية والفعاليات الاجتماعية والثقافية الكردية تحت سقف واحد برعاية كردستانية ودولية، إلّا أنه مع ذلك لم يفلت الكونفرانس من لعنة الشعارات، واصطدم بطروحات كادت أن تنسفه من الداخل لولا الرضوخ لها وتبنيها، وفي مقدمة تلك الطروحات إصرار بعض الأطراف على تثبيت شعار (الفيدرالية)، في الوثيقة السياسية المشتركة، رغم علم الجميع بأنه شعار مرفوض سلفاً من جانب الحكومة الانتقالية، التي يفترض أن يقوم الوفد الكردي المشترك بالحوار معها انطلاقاً من مضمون تلك الوثيقة، وبذلك تم إغلاق باب الحوار المنشود معها سلفاً. بل إن نفس تلك الأطراف سارعت إلى القفز من فوق مخرجات هذا الكونفرانس، وتسابقت على الذهاب إلى دمشق بمفردها ليس للمطالبة بالفيدرالية بكل تأكيد، بل من أجل بعض المكاسب والمناصب الإدارية.
فلا تُلقوا، أيها الإخوة، أحجاركم بعيداً حتى لا تقع على رؤوس الأبرياء من أبناء شعبنا، الذين أنهكهم دفعُ ضريبتها طوال ما يقارب سبعة عقود.
30 أيار 2026