الشخصنة وديناميات الانشقاق في الأحزاب الكردية السورية

خوشناف سليمان

تُعد إشكالية الشخصنة، وما يرتبط بها من مركزية مفرطة في العمل الحزبي، من أبرز العوامل المفسِرة لهشاشة البنى التنظيمية وكثرة الانشقاقات في الأحزاب ذات الطابع التسلطي. فعندما تتركز السلطة بيد السكرتير العام والدائرة الضيقة المحيطة به، تتقلص فرص المشاركة الديمقراطية للقواعد الحزبية، وتضعف آليات النقد والمساءلة الداخلية، ما يحول الحزب تدريجياً إلى أداة لترسيخ هيمنة النخبة بدل أن يكون إطاراً تمثيلياً تعددياً. وفي هذا السياق، لا تعود الانقسامات حدثاً طارئاً، بل تميل إلى التحول إلى سمة شبه بنيوية ملازمة لبنية الحزب وثقافته التنظيمية.

ينطبق هذا النمط بدرجة كبيرة على الأحزاب الكردية في سوريا، التي تشكلت وتطورت في بيئة سياسية ضاغطة اتسمت بالقمع وتقييد العمل الحزبي، فضلاً عن التأثيرات الخارجية وشحّ الموارد المالية. وقد أسهمت هذه العوامل، إلى جانب الاختلالات الداخلية، في تعزيز النزعة نحو المركزية والشخصنة، بدلاً من ترسيخ بنى تنظيمية مستقرة، قادرة على الاستمرار وإدارة التباينات. ويتجلّى هذا النمط بوضوح في تجربة حزب «يكيتي»؛ فمنذ تأسيسه عام 1990 عقب انشقاقه عن حزب الاتحاد الشعبي الكردي، نشأ الحزب في سياق تنظيمي اتسم بتعدد التكتلات الداخلية، من دون أن تتبلور بينها تمايزات برنامجية حاسمة. كما شهد الحزب الأم نفسه سلسلة من الانقسامات المتتالية، ارتبط جزء كبير منها بعوامل تنظيمية وشخصية أكثر من ارتباطها بخلافات فكرية أو سياسية جوهرية، ما يعزز فرضية أن الانقسام كان نمطاً متكرراً وليس استثناءً عابراً.

لاحقاً، لم يتمكن حزب «يكيتي» من تجاوز هذا الإرث، بل أعاد إنتاجه داخلياً عبر انشقاقات متتالية على خلفيات متشابهة، تمحورت أساساً حول التنافس على المواقع القيادية واحتكار القرار، في ظل ضعف الأطر التنظيمية القادرة على إدارة التباين والاختلاف. ويعكس ذلك خللاً بنيوياً في الثقافة السياسية والتنظيمية، يتمثل في ضعف فعالية اللوائح الداخلية، بما يحد من إمكان ترسيخ ممارسات ديمقراطية داخلية مستدامة.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى جميع الانشقاقات بوصفها ظاهرة سلبية بالمطلق؛ إذ قد تعبر بعض حالات الانفصال عن محاولات إصلاح أو إعادة تموضع سياسي. غير أن تكرار الانشقاقات في الحالة الكردية السورية، وافتقارها في كثير من الأحيان إلى أسس برنامجية واضحة، يشير إلى غلبة العوامل الشخصية والتنظيمية على ما سواها، وهو ما يضعف الفاعلية السياسية.

وفي هذا السياق، لا يقتصر هذا النمط على حزب «يكيتي» وحده، بل يمتد إلى مجمل المشهد الحزبي الكردي في سوريا، حيث يقترن تعدد الكيانات بضعف القدرة على إحداث فعل سياسي مؤثر ومستمر. فالكثرة العددية للأحزاب تعكس غالباً تشتتاً في القرار وتضارباً في التمثيل أكثر من كونها مؤشراً على حيوية سياسية. وفي هذا الإطار، تبرز خيارات إعادة الهيكلة أو الاندماج كمسارات واقعية لتعزيز الفاعلية السياسية، شريطة أن تستند إلى أسس تنظيمية وبرامجية واضحة. ففاعلية الأحزاب لا تُقاس بعددها، بل بقدرتها على التأثير السياسي الفعلي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شكري بكر أظن أن جميع مكونات المجتمع السوري يتمتعون بإرادة وطنية بإستثناء المكون العربي منه ، لإدعا بأنه يشكل الغالبية العظمى من المجتمع السوري ، وهذا خطأ يقع فيه المكون العربي . لو عدنا إلى تاريخ القديم نرى بأن الوجود التاريخي لمكون العربي في المنطقة بجانبه القومي والديني لم يذكر في السجلات التاريخية . لدى البحث نرى بأن العنصر العربي…

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…