نوروز يكشف الأقنعة: بين وضوح القضية وضياع الخطاب الكردي

صلاح عمر

في كل عام، حين تتوهّج نيران نوروز على قمم الجبال، لا يكون المشهد مجرد طقسٍ احتفالي يعيد إلى الذاكرة أسطورة كاوا الحداد، بل يتحوّل إلى لحظة سياسية وأخلاقية عميقة، تُختبر فيها صدقية الخطاب، وتُقاس فيها المسافة بين الشعارات والحقوق، بين من يتحدث باسم الشعب… ومن يتحدث باسمه فقط. نوروز، في الوعي الكردي، ليس عيدًا عابرًا، بل هو إعلان متجدد بأن هذه الأمة، رغم كل ما مرّ بها، ما زالت حية، تقاوم، وتُعيد طرح قضيتها على طاولة التاريخ.
هذا العام، جاءت رسائل القيادات الكردية متباينة إلى حدٍّ يكشف عمق الأزمة في بنية الخطاب السياسي الكردي نفسه. فبين وضوحٍ يلامس جوهر القضية، وغموضٍ يبتعد عنها، وبين خطابٍ يحمل همّ الشعب، وآخر يبدو منفصلًا عنه، برزت الحاجة الملحّة لإعادة تقييم الاتجاهات، ليس فقط من باب النقد، بل من باب المسؤولية التاريخية.
في كردستان إيران، كانت الرسائل أكثر مباشرةً ووضوحًا، خاصة في خطاب مصطفى هجري، الذي عبّر بجرأة عن معاناة الشعب الكردي هناك. لم يكن الخطاب مبهماً، ولا محمّلاً بمصطلحات تحتمل التأويل، بل كان صريحًا في توصيف الواقع: شعب محروم من أبسط حقوقه القومية، يرزح تحت نظامٍ قمعي في طهران، ويتطلع إلى لحظة تحوّل تاريخي قد تفتح نافذةً للخلاص. في نظام فيدرالي تعددي يمنح كل القوميات حقوقهم وفي مقدمتهم الشعب الكردي. هذه اللغة، رغم بساطتها، تحمل قوة الحقيقة، لأنها تنطلق من واقعٍ معاش، لا من تصورات نظرية. إنها لغة شعبٍ يعرف عدوه، ويحدد هدفه، ولا يخشى تسمية الأشياء بأسمائها.
هذا النوع من الخطاب يعيد الاعتبار إلى البوصلة القومية، ويؤكد أن أي مشروع سياسي لا ينطلق من الاعتراف بالحقوق القومية، ولا يضعها في صلب أولوياته، يبقى مشروعًا ناقصًا، مهما بدا متماسكًا من الخارج. فالقضية الكردية، في جوهرها، ليست مجرد مسألة ديمقراطية عامة، بل هي قضية شعبٍ له هوية، وأرض، وتاريخ، وحقوق سُلبت منه، ولا يمكن استعادتها إلا عبر خطابٍ واضحٍ وشجاع.
في المقابل، جاءت رسالة عبد الله أوجلان مختلفة إلى درجة أثارت الكثير من التساؤلات. ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب ما غاب عنها. فحين تُلقى رسالة في مناسبة بحجم نوروز، دون أن يُذكر فيها الشعب الكردي، أو كوردستان، أو الحقوق القومية، فإن ذلك لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل عابر. بل هو غياب دلالي عميق، يعكس تحولًا في طبيعة الخطاب، وربما في طبيعة المشروع نفسه.
الحديث عن “الأمة الديمقراطية” و“الاندماج الديمقراطي” قد يبدو للوهلة الأولى طرحًا حداثيًا يتجاوز القوميات، لكنه في السياق الكردي يثير إشكالية حقيقية: هل يمكن لشعبٍ لم يحصل بعد على حقوقه الأساسية، أن يتجاوز هويته القومية نحو مفاهيم أممية فضفاضة؟ وهل يمكن الحديث عن اندماجٍ ديمقراطي في ظل غياب الاعتراف، واستمرار الإنكار، وهيمنة الدولة القومية المركزية؟
إن القفز فوق المسألة القومية لا يلغيها، بل يؤجل انفجارها. والتجارب التاريخية أثبتت أن الشعوب التي لم تُنصف، لا يمكن أن تُقنعها الشعارات العابرة للهوية، مهما بدت جذابة. فالديمقراطية، في معناها الحقيقي، لا تعني تذويب الهويات، بل الاعتراف بها، وضمان حقوقها، ضمن إطارٍ عادل.
ومن هنا، فإن الغموض الذي اكتنف رسالة أوجلان لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، ولا عن طبيعة العلاقة المعقدة مع الدولة التركية. وهذا ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى استقلالية هذا الخطاب، وحول الجهة التي يُخاطبها فعليًا: هل هو موجّه للشعب الكردي، أم للسلطة التي تملك مفاتيح السجن؟
أما رسالة بافل طالباني، فقد بدت أقرب إلى خطابٍ بروتوكولي يفتقر إلى العمق السياسي المطلوب في هذه المرحلة الحساسة. فبدل أن تكون مناسبة نوروز فرصة لطرح رؤية واضحة، أو مبادرة جريئة، أو حتى موقف صريح من التحديات الراهنة، جاءت الرسالة محمّلة بعبارات المديح، خالية من أي مضمون استراتيجي يمكن البناء عليه.
وهنا تبرز مشكلة أخرى في الخطاب السياسي الكردي: غياب الجرأة في الطرح، والخشية من اتخاذ مواقف واضحة. فالشعوب لا تحتاج إلى من يطمئنها بكلمات عامة، بل إلى من يواجهها بالحقيقة، ويقودها نحو المستقبل برؤية واضحة. أما الخطابات التي تكتفي بالمجاملات، فإنها تفقد قيمتها، وتتحول إلى عبءٍ على الوعي العام.
وفي موازاة هذا المشهد، يبرز واقع أكثر إلحاحًا داخل كردستان سوريا، حيث يبدو أن القيادات الكردية، سواء في إطار المجلس الوطني الكردي أو الإدارة الذاتية، لم ترتقِ بعد إلى مستوى التحولات العاصفة التي تشهدها المنطقة. فالإدارة الذاتية تمضي، كما يبدو، نحو الاستعداد للاندماج في بنية الدولة السورية وفق تفاهمات جاهزة، دون أن تضع تحقيق المطالب السياسية القومية للشعب الكردي في موقعها الطبيعي كأولوية لا يمكن التنازل عنها. وكأن المسألة باتت إدارية أكثر منها قضية شعبٍ يسعى إلى تثبيت حقوقه في دستور ومستقبل سوريا الجديدة.
وفي الجهة الأخرى، لا يزال خطاب المجلس الوطني الكردي يدور في دائرة ضيقة، لم تتجاوز في كثير من الأحيان أزقة قامشلو، دون أن يتمكن من تقديم رؤية سياسية متجددة تواكب حجم التحديات الراهنة. وفي لحظة تاريخية تتطلب جرأة في الطرح، ووضوحًا في المشروع، يبدو التردد أخطر من الخطأ، لأن الزمن لا ينتظر من يتأخر عن فهمه.
وفي خضم هذا التباين، جاءت رسالة الرئيس مسعود البارزاني لتقدّم نموذجًا مختلفًا في الخطاب السياسي. رسالة تنطلق من وجدان الشعب، وتحمل وضوحًا في الرؤية، وتوازنًا بين الواقعية السياسية والثبات القومي. لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تعبيرًا عن تجربة طويلة في النضال، وعن فهم عميق لتعقيدات المرحلة.
ما ميّز هذه الرسالة هو تركيزها على وحدة الصف الكردي، باعتبارها الشرط الأساسي لأي تقدم سياسي. فالتجربة أثبتت أن الانقسام هو أكبر نقاط الضعف في القضية الكردية، وأن أي مشروع، مهما كان قويًا، لا يمكن أن ينجح في ظل تشرذم داخلي. كما أكدت الرسالة على أهمية السلام، ليس كخيارٍ تكتيكي، بل كضرورة استراتيجية، شريطة أن يكون سلامًا عادلًا يضمن الحقوق، لا استسلامًا يكرّس الأمر الواقع.
إن ما يجعل خطاب الرئيس مسعود البارزاني مختلفًا، هو أنه لا يهرب من الواقع، ولا يذوب فيه. بل يحاول التعامل معه بواقعية، دون أن يفقد البوصلة القومية. وهذه المعادلة الصعبة هي ما تحتاجه القضية الكردية اليوم: قيادة تعرف كيف تناور، دون أن تفرّط، وكيف تتفاوض، دون أن تتنازل عن الثوابت.
إن المقارنة بين هذه الخطابات المختلفة لا تهدف إلى المفاضلة بين أشخاص، بقدر ما تسعى إلى تسليط الضوء على اتجاهات فكرية وسياسية متباينة داخل البيت الكردي. اتجاه يرى في الهوية القومية نقطة الانطلاق، واتجاه يحاول تجاوزها، واتجاه ثالث يفتقر إلى الوضوح.
وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، من إعادة رسم التوازنات، إلى تصاعد الصراعات، إلى تغير أولويات القوى الدولية، تصبح الحاجة إلى خطاب كردي موحد، واضح، وشجاع، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. خطاب يضع القضية الكردية في مركزه، لا على هامشه، ويخاطب العالم بلغة الحقوق، لا بلغة الاستعطاف.
نوروز هذا العام لم يكن مجرد مناسبة للاحتفال، بل كان لحظة وعي، كشفت حجم التباين، ووضعت الجميع أمام مسؤولياتهم. فالشعوب لا تُخدع إلى الأبد، والوعي، مهما تأخر، لا بد أن يستيقظ.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نمتلك الشجاعة لنقول الحقيقة كما هي؟ أم سنستمر في تدوير الخطابات، بينما تتقدم التحديات؟
لأن التاريخ لا ينتظر المترددين… بل يكتبه أولئك الذين يعرفون من هم، وماذا يريدون، وإلى أين يسيرون.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو في قلب جبال “چياي كورمينج” (جبل الأكراد)، وتحديداً في قرية “بيباكا”، تتجسد اليوم حكاية لا تشبه إلا نفسها. حكاية السيدة مقبولة رشيد حبش، أكبر معمرات المنطقة، التي لم تكن مجرد شاهدة على التاريخ، بل كانت ولا تزال جزءاً من نسيجه المتين، حاملةً في قلبها إرث عائلة “جوفة” العريقة وعزيمة المرأة الكردية التي لا تنكسر. رحلة الكفاح والثبات بدأت…

تلقت الفيدرالية السورية لحقوق الإنسان، ببالغ القلق والاستنكار، الأنباء الواردة عن وقوع اعتداءات آثمة واستهدافات طالت أبناء شعبنا الكردي في مناطق متفرقة (لاسيما في دمشق، عفرين، كوباني، وحلب، والرقة، الحسكة، قامشلو)، وذلك على خلفية حادثة فردية متمثلة في “إنزال العلم” بمدينة كوباني، والتي تزامنت مع احتفالات عيد نوروز في 21 آذار 2026، وقد جاءت حادثة إنزال العلم السوري نتيجة رد…

شادي حاجي في أي بقعة من العالم، تُقاس شرعية السلطة—بغض النظر عن شكلها أو درجة الاعتراف بها—بقدرتها على حماية الناس وضمان أمنهم وصون كرامتهم. هذه ليست مسألة سياسية بقدر ما هي التزام قانوني وأخلاقي، يزداد إلحاحاً في السياقات الهشة والمعقدة مثل الحالة السورية، حيث تتعدد السلطات وتتداخل مناطق النفوذ. من منظور القانون الدولي الإنساني، لا تُبنى المسؤولية على الاعتراف…

نورالدين عمر ​تمر المنطقة بشكل عام وكردستان بشكل خاص بلحظات عصيبة، كما تعيش روجافا وضع استثنائي وحساس، تفرض علينا دائما قراءة المشهد بعيداً عن العاطفة الآنية. ففيما يخص الانتهاكات والاساءة إلى الرموز الوطنية التي حدثت في احتفالات عيد نوروز تستوجب توضيح بعض النقاط. ومن هنا، يمكن تلخيص المشهد في ثماني ملاحظات: ١-​إن ما شهدته مدينة عفرين ليلة نوروز من…