مقبولة رشيد حبش: 95 عام من الزيتون والكبرياء.. شعلة “نوروز 2026” في بيباكا

جمال ولو

في قلب جبال “چياي كورمينج” (جبل الأكراد)، وتحديداً في قرية “بيباكا”، تتجسد اليوم حكاية لا تشبه إلا نفسها. حكاية السيدة مقبولة رشيد حبش، أكبر معمرات المنطقة، التي لم تكن مجرد شاهدة على التاريخ، بل كانت ولا تزال جزءاً من نسيجه المتين، حاملةً في قلبها إرث عائلة “جوفة” العريقة وعزيمة المرأة الكردية التي لا تنكسر.
رحلة الكفاح والثبات
بدأت فصول حياتها في “إعزاز”، حيث كان والدها ضمن المتطوعين في الجيش الفرنسي قبل أن ينحاز للوطن والاستقلال. ومع زواجها من الراحل حنان محمد ولو، انتقلت العائلة إلى قرية “عمر سمو”. هناك، وبين حقول الزيتون وبيادر الحصاد، كانت يداها تخطان قصة صمود لتربية أولادها ضمن عائلة “بيت ولو” الكبيرة، في نموذج حي للترابط الأسري الكردي الأصيل.
ما يميز السيرة النضالية للسيدة مقبولة هو وعيها السياسي الصلب؛ ففي سبعينيات القرن الماضي، واجهت بصلابة كل الضغوطات الأيديولوجية، متمسكةً بوفائها المطلق لنهج “البارزاني الخالد”، معتبرةً الانتماء الكردي هوية محفورة في الوجدان لا تقبل المساومة.
2026: شعلة الحرية بيدِ الذاكرة
اليوم، تعود السيدة مقبولة لتتصدر المشهد في قريتها بيباكا. وتقديراً لتاريخها الحافل وكونها الأم الكبرى والمعمرة الأهم، اختارها أبناء القرية وعائلتها لتنال شرف إيقاد شعلة “نوروز الحرية” لعام 2026.
وقد جرت هذه اللحظة التاريخية المهيبة بحضور ولديها: السيد محمد بافي نيازي، والمهندس شاهر حنان،وبين بنات واخواتها وقريتها لتكون الشعلة رمزاً لاستمرارية النضال والأمل. ولم يقتصر التكريم على الداخل، بل وصل صداه إلى المغترب، حيث زُينت الشاشات العملاقة في احتفالات نوروز بألمانيا (مدينة بون) بصورتها، تقديراً لرمزيتها كأيقونة كردية عاصرت الأجيال.
صوت يرفض النسيان
بين حلب واللاذقية والقرية، يتوزع اليوم نسل السيدة مقبولة الذي وصل إلى 110 أفراد. ورغم تبدل الأمكنة، بقي صوتها المسجل وهي تلقي الشعر الكردي ينسال كشلال من الذاكرة، ليوثق تاريخاً شفوياً يأبى الاندثار.ستبقى السيدة مقبولة رشيد حبش، وهي توقد شعلة نوروز في بيباكا، رسالة حية بأن الحق لا يموت، وأن من زرع الزيتون وحمل فكر الحرية، يظل منارة تهتدي بها الأجيال.

عفرين – قرية بيباكا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح عمر في كل عام، حين تتوهّج نيران نوروز على قمم الجبال، لا يكون المشهد مجرد طقسٍ احتفالي يعيد إلى الذاكرة أسطورة كاوا الحداد، بل يتحوّل إلى لحظة سياسية وأخلاقية عميقة، تُختبر فيها صدقية الخطاب، وتُقاس فيها المسافة بين الشعارات والحقوق، بين من يتحدث باسم الشعب… ومن يتحدث باسمه فقط. نوروز، في الوعي الكردي، ليس عيدًا عابرًا، بل هو إعلان…

تلقت الفيدرالية السورية لحقوق الإنسان، ببالغ القلق والاستنكار، الأنباء الواردة عن وقوع اعتداءات آثمة واستهدافات طالت أبناء شعبنا الكردي في مناطق متفرقة (لاسيما في دمشق، عفرين، كوباني، وحلب، والرقة، الحسكة، قامشلو)، وذلك على خلفية حادثة فردية متمثلة في “إنزال العلم” بمدينة كوباني، والتي تزامنت مع احتفالات عيد نوروز في 21 آذار 2026، وقد جاءت حادثة إنزال العلم السوري نتيجة رد…

شادي حاجي في أي بقعة من العالم، تُقاس شرعية السلطة—بغض النظر عن شكلها أو درجة الاعتراف بها—بقدرتها على حماية الناس وضمان أمنهم وصون كرامتهم. هذه ليست مسألة سياسية بقدر ما هي التزام قانوني وأخلاقي، يزداد إلحاحاً في السياقات الهشة والمعقدة مثل الحالة السورية، حيث تتعدد السلطات وتتداخل مناطق النفوذ. من منظور القانون الدولي الإنساني، لا تُبنى المسؤولية على الاعتراف…

نورالدين عمر ​تمر المنطقة بشكل عام وكردستان بشكل خاص بلحظات عصيبة، كما تعيش روجافا وضع استثنائي وحساس، تفرض علينا دائما قراءة المشهد بعيداً عن العاطفة الآنية. ففيما يخص الانتهاكات والاساءة إلى الرموز الوطنية التي حدثت في احتفالات عيد نوروز تستوجب توضيح بعض النقاط. ومن هنا، يمكن تلخيص المشهد في ثماني ملاحظات: ١-​إن ما شهدته مدينة عفرين ليلة نوروز من…