المحامي عبدالرحمن محمد
تطرح القضية الكوردية منذ عقود مجموعة من الاسئلة الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها او القفز فوقها بشعارات سياسية عامة مثل الاندماج او اخوة الشعوب. هذه الاسئلة ليست مجرد جدل نظري، بل تتعلق بحقوق شعب وهوية وطن وحق تاريخي وسياسي معترف به في القانون الدولي.
في العالم اليوم اكثر من 200 دولة قومية. معظم هذه الدول لم تنشأ صدفة، بل كانت ثمرة نضال طويل خاضته شعوبها من اجل الحرية والاستقلال وتاسيس دولها الوطنية وممارسة حقها الطبيعي في تقرير المصير.
كل دولة في العالم تنسب الى شعبها وتعبر عن هويته القومية والوطنية. فعندما نقول المانيا نتحدث عن الشعب الالماني، وعندما نقول تركيا نتحدث عن الشعب التركي. وهذه الدول جميعها اعضاء في الامم المتحدة ومعترف بها ككيانات سياسية تمارس السيادة على شعوبها واراضيها وثرواتها. ولكل منها علمها الوطني وحدودها الجغرافية ومؤسساتها السياسية وعلاقاتها الدولية التي تدافع من خلالها عن مصالحها وامنها القومي.
القانون الدولي يتعامل مع الدول باعتبارها الكيانات السياسية المعترف بها في النظام الدولي. ولا يعترف بمفاهيم عامة مثل الاندماج او شعارات اخوة الشعوب كبديل عن حق الشعوب في اقامة دولها وممارسة سيادتها. ومن لا يملك دولة يبقى عمليا خارج التمثيل السياسي الكامل في المجتمع الدولي.
حق تقرير المصير للشعوب ليس شعارا سياسيا عابرا، بل هو مبدأ راسخ في القانون الدولي. وقد نص عليه ميثاق الامم المتحدة بشكل واضح، كما اكد عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 وغيره من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان وحرياته الاساسية.
انطلاقا من ذلك، فان الكورد ليسوا اقلية قومية، بل شعب له لغته وتاريخه وجغرافيته وهويته القومية. ومن حق هذا الشعب، كغيره من شعوب العالم، ان يناضل من اجل تقرير مصيره وتاسيس دولته الكوردية.
القضية الكوردية ليست مجرد مسالة حقوق ثقافية او مطالب مواطنة داخل دول اخرى، بل هي قضية وطنية كوردستانية ذات ابعاد سياسية وقانونية واضحة. وهي في جوهرها قضية شعب يسعى الى تثبيت وجوده السياسي وحقه في تقرير مصيره.
وفي هذا السياق تبرز مجموعة من الاسئلة المشروعة التي يجب طرحها بوضوح:
اين الدولة الكوردية؟
اين الجواز الكوردستاني؟
اين الفريق الرياضي الذي يمثل الشعب الكوردي في المحافل الدولية؟
ولماذا لا يرفرف العلم الكوردستاني امام مبنى الامم المتحدة كما تفعل بقية شعوب العالم؟
اين التمثيل الدولي الحقيقي للشعب الكوردي؟
هذه الاسئلة ليست رمزية فقط، بل تعكس حقيقة سياسية واضحة: شعب كبير في المنطقة ما زال يفتقر الى الكيان السياسي الذي يمثل ارادته وهويته الوطنية على المستوى الدولي.
ومن هنا يبرز سؤال اخر اكثر حساسية: لماذا يدافع بعض الكورد عن سيادة ووحدة اراضي الدول التي ضمت جغرافيا كوردستان اليها، في حين ينكرون حق شعبهم في تقرير مصيره؟
ولماذا يتم تبرير ذلك تحت شعارات مثل الاندماج او اخوة الشعوب؟
ان الدفاع عن حقوق الشعوب الاخرى امر مشروع، لكن التنازل عن حقوق الشعب الكوردي او انكار حقه في تقرير مصيره لا يمكن اعتباره موقفا سياسيا طبيعيا، بل هو موقف يتعارض مع المصالح الوطنية الكوردية وتطلعاتها التاريخية.
القضية الكوردية في جوهرها ليست قضية عداء مع الشعوب الاخرى، بل قضية حق سياسي وقانوني لشعب يسعى الى الحرية والاعتراف الدولي بهويته ووجوده.
وبالتالي فان دعم حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره ليس موقفا متطرفا، بل هو انسجام مع المبادئ التي قام عليها النظام الدولي المعاصر، والتي تعترف بحق الشعوب في الحرية والسيادة وتحديد مستقبلها السياسي.
ان تجاهل هذه الحقيقة لن يلغي وجود القضية الكوردية، بل سيؤجل فقط مواجهة اسئلتها الكبرى التي ما زالت مطروحة امام المنطقة والعالم.