أحمد بلال
تشكل عفرين نموذجاً مهماً لفهم الثقافة الجمعية والتراكمية في المجتمعات المحلية في شمال اي روژآڤا كوردستان سوريا. فهذه المنطقة التي عرفت تاريخياً بتنوعها الديني بين ابناء الشعب الكوردي ، استطاعت عبر عقود أن تطور نمطاً من التعايش السلمي بين مذاهبها و طوائفها الدينية المختلفة. ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى العمل الثقافي والسياسي للحركة الكردية التي ركزت على نشر الوعي القومي مع التأكيد على قيم الديمقراطية والعلمانية وفصل الدين عن السياسة.
الثقافة الجمعية والتراكم التاريخي
الثقافة الجمعية هي حصيلة تراكم طويل من التجارب الاجتماعية والسياسية ((وذلك كثيرا ما تجد في حزب واحد اليزيدي و المسلم جنبا الى جنب )))التي يعيشها المجتمع عبر الزمن. وفي عفرين تشكلت هذه الثقافة من خلال:
التفاعل اليومي بين مختلف الطوائف و المذاهب الدينية.
العلاقات الاجتماعية والاقتصادية المشتركة بين القرى والمدن.
دور الحركات السياسية والثقافية في نشر قيم التعايش والتسامح.
لقد ساهمت هذه العوامل في خلق مجتمع يتميز بروابط اجتماعية قوية تقوم على التعاون والاحترام المتبادل.
دور الحركة الكردية في نشر الوعي القومي
عملت الحركة الكردية منذ عقود على تعزيز الهوية الثقافية الكردية من خلال:
نشر اللغة والثقافة الكردية.
تعزيز الوعي بحقوق الشعوب والثقافات.
دعم قيم الديمقراطية والمشاركة المجتمعية.
لكن هذا الوعي القومي لم يكن موجهاً ضد المكونات الأخرى، بل سعى إلى بناء مجتمع يعترف بتعدد الهويات والثقافات ضمن إطار مشترك من المواطنة والحقوق.
فصل الدين عن السياسة
من المبادئ التي ساهمت في بناء التعايش في عفرين هو التأكيد على فصل الدين عن السياسة. فالدين في المجتمع العفريني بقي جزءاً من الحياة الروحية والثقافية، لكنه لم يتحول إلى أداة للصراع السياسي أو التمييز بين الناس.
وقد ساعد هذا المبدأ على خلق فضاء اجتماعي يضمن:
احترام المعتقدات الدينية المختلفة.
منع استخدام الدين في النزاعات السياسية.
حماية حرية المعتقد والعبادة.
التعايش بين المكونات الدينية
تميز المجتمع في عفرين بتعايش سلمي بين عدة طوائف دينية، من أبرزها:
المسلمون
الإيزيديون
المسيحيون
وقد ظهر هذا التعايش في مختلف مجالات الحياة مثل:
العلاقات الاجتماعية والزواج المختلط أحياناً.
الاحتفالات والمناسبات المشتركة.
التعاون الاقتصادي والعمل الزراعي.
هذا النمط من الحياة المشتركة أسهم في ترسيخ ثقافة قبول الآخر واحترام التنوع.
عودة المهجّرين وإحياء الذاكرة الجماعية
إن عودة الأهالي المهجّرين إلى عفرين لا تمثل مجرد عودة جغرافية إلى المنازل والقرى، بل هي أيضاً عودة للذاكرة الجماعية وللنسيج الاجتماعي الذي تشكل عبر سنوات طويلة. وهو كذلك إفشال لمشروع تغيير البنية الديمغرافية للمنطقة التي حدثت بعد العملية العسكرية التركية المعروفة باسم عملية غصن الزيتون عام 2018.
وتعكس مشاهد استقبال العائدين قوة الروابط الاجتماعية والثقافية التي حافظ عليها المجتمع رغم التهجير والصراع، كما تعكس إرادة السكان في إعادة بناء مجتمعهم على أساس التعايش والكرامة الإنسانية.