سقوط وهم التفاضل بين الشعوب

عبدالجابرحبيب

الشبهة بين النص والتراث

في بعض زوايا التراث، حيث تختلط الرواية بالتاريخ وتتشابك اللغة بظلال الأزمنة القديمة، تظهر بين حينٍ وآخر نصوصٌ تُقتطع من سياقها لتتحول إلى مادةٍ لإثارة الشبهات. ومن تلك النصوص ما يُتداول من روايات تزعم أن «الأكراد حيٌّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء»، أو ما ورد في بعض الكتب من كراهية مخالطتهم أو الزواج منهم. وقد نُقلت هذه الأقوال في بعض المصادر القديمة، مثل ما ورد في الكافي وغيره، ثم تداولها بعض الفقهاء في كتبهم الفقهية، فبدت للبعض وكأنها حكمٌ ديني قاطع. غير أن النظر العلمي إلى التراث يكشف أن مجرد وجود رواية في كتابٍ من كتب التراث لا يعني أنها تمثل روح الإسلام أو موقفه النهائي، لأن كتب التراث نفسها كانت فضاءً للنقل والنقاش والاجتهاد. وهنا ينبغي أن نعود إلى الميزان الذي وضعه الإسلام نفسه للحكم على البشر، وهو ميزانٌ أعلنته الآية القرآنية الحاسمة: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. فبهذا النص ينتهي الجدل؛ إذ لم يجعل الإسلام معيار التفاضل عرقاً ولا لغة ولا لوناً، بل التقوى وحدها. ولهذا قام المجتمع الإسلامي الأول على نموذج إنساني فريد جمع في صفٍ واحد بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وأبا ذر العربي، ليصبح هؤلاء رموزاً لحضارةٍ ألغت ميزان العصبية القديمة واستبدلته بميزان القيم.

قراءة لغوية للرواية المثيرة للجدل

وقد حاول بعض العلماء تفسير الروايات التي أسيء فهمها تفسيراً لغوياً وتاريخياً يخرجها من دائرة الاتهام العنصري. ومن ذلك ما نُقل عن السيد محمد بن المهدي الشيرازي في مناقشته للرواية التي تقول إن «الأكراد حي من أحياء الجن»، حيث أشار إلى أن كلمة الأكراد في بعض الاستعمالات القديمة قد لا تشير إلى القومية الكردية المعروفة اليوم، بل قد تكون مشتقة من الفعل كَرَدَ إلى الجبل أي ذهب إلى الجبل، فيكون المقصود بها سكان المناطق الجبلية المنقطعين عن العمران، كما تُستعمل كلمة الأعراب في القرآن للدلالة على فئة من البدو لا على قومية بعينها. أما لفظ الجن في اللغة العربية فمأخوذ من معنى الستر والخفاء، وهو الأصل الذي جاءت منه كلمات مثل الجنين والجنة والجنون. وعلى هذا الأساس يصبح معنى الرواية ـ إن صحّت ـ وصفاً لفئة اجتماعية معزولة يغلب عليها الجهل بسبب بعدها عن العمران، لا حكماً على شعبٍ بأكمله.

شهادة موقفٍ ضد توظيف الدين

ويُروى أيضاً أن بعض السلطات في العراق في ستينيات القرن الماضي حاولت استصدار فتوى دينية للحرب ضد الأكراد، غير أن عدداً من العلماء رفضوا ذلك، ومن بينهم ـ كما يُنقل ـ السيد محمد بن المهدي الشيرازي الذي أكد أن المشكلة ليست في الأكراد بل في عدم تطبيق المنهج الإسلامي العادل، موضحاً أن الإسلام يساوي بين البشر في الحقوق والكرامة، وأن إثارة العصبية القومية لا تنتج إلا عصبياتٍ مضادة. لقد كان ذلك الموقف دليلاً واضحاً على أن الإسلام حين يُفهم في جوهره يقف دائماً في صف العدالة لا في صف التعصب.

صلاح الدين ومنطق العصر

ومن هذا المنظور يمكن فهم مسألةٍ كثيراً ما تُثار في الجدل الحديث، وهي السؤال: لماذا لم يؤسس صلاح الدين الأيوبي دولة قومية للكرد؟ والحقيقة أن هذا السؤال نفسه ينتمي إلى زمنٍ لم يكن موجوداً في عصره. فالعالم في القرن الثاني عشر لم يكن عالم القوميات الحديثة، بل كان منقسماً إلى كتلتين حضاريتين كبيرتين: عالمٍ إسلامي وعالمٍ مسيحي. وعلى هذا الأساس قامت الحروب الصليبية التي شكّلت الإطار التاريخي لصعود صلاح الدين. ولهذا لم يكن القائد المسلم يفكر بمنطق القومية الضيقة، بل بمنطق الأمة الحضارية الواسعة. لقد كان صلاح الدين كردياً في نسبه، لكنه كان إسلامياً في مشروعه، ولذلك استطاع أن يجمع في جيشه العرب والكرد والترك والفرس وغيرهم في معركة واحدة انتهت باستعادة القدس. ولو أنه رفع راية قومية ضيقة لما استطاع أن يحقق ذلك الإنجاز الذي أصبح رمزاً لوحدة العالم الإسلامي في مواجهة الغزو الصليبي.

الإسلام وأفق الإنسانية

إن المأزق الحقيقي لا يكمن في النصوص القديمة بقدر ما يكمن في طريقة استخدامها اليوم. فبعض الخطابات المعاصرة تتعامل مع الهوية بمنطق مزدوج؛ تكون قوميةً متعصبة حين يتعلق الأمر بقوميتها الخاصة، ثم تتحول فجأة إلى خطاب الأخوة الإسلامية حين تريد إنكار حقوق الآخرين. وهذا التناقض لا ينسجم مع روح الإسلام التي تقوم على مبدأ واحد واضح: كرامة الإنسان. فالإسلام لا يلغي تنوع الشعوب واللغات، بل يراه جزءاً من حكمة الخلق، لكنه يرفض أن يتحول هذا التنوع إلى سببٍ للتفاضل أو الإقصاء. ولهذا فإن الرسالة الإسلامية في جوهرها ليست مشروع قومية ولا راية عرق، بل أفق إنساني واسع يرى البشر جميعاً أبناء أصلٍ واحد، ويقيم بينهم جسور التعارف بدل جدران العصبية. ومن هنا يبدو واضحاً أن الدين الذي جمع الحبشي والفارسي والرومي والعربي في صفٍ واحد لا يمكن أن يكون دين قبيلة أو عرق، بل هو في جوهره نداءٌ دائم إلى إنسانيةٍ أوسع من كل الحدود.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…

صديق ملا عزيزي العربي السوري : الكورد ليسوا ضيوفا في سوريا …??.!! بعض الكورد الذين هجِّروا من تركيا بعد ثورة الشيخ سعيد إلتجؤوا إلى (الدولة الفرنسية) وليس إلى الجمهورية العربية السورية وسكنوا في المناطق الكوردية بين أهلهم وإخوانهم الكورد . وأول وفد عربي ذهب إلى (سيفر ) وطالب بالدولة السورية كانت جغرافية دولته من انطاكية مرورا بحلب دون شمالها وحماه…

د. محمود عباس قبل فترة استُهدفت ليلى زانا، واليوم سريا حسين، وغدًا قد تكون كوردية أخرى. ليست القضية في الأسماء، ولا في اتجاهاتها السياسية، بل في النمط الذي يتكرر بإيقاعٍ مقلق، المرأة الكوردية تتحول إلى ساحة اشتباك. ما يجري لا يمكن اختزاله في (نقد عابر)، كما لا يجوز إنكار وجود أخطاء أو اختلافات داخلية، فذلك جزء طبيعي من أي مجتمع…

نظام مير محمدي * استراتيجية “الهروب إلى الأمام يدرك النظام الإيراني اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن بقاءه بات على المحك. إن دخول طهران في أتون حروب إقليمية طاحنة ليس مجرد خيار عسكري، بل هو استراتيجية سياسية تهدف إلى تصدير الأزمات الداخلية المتفاقمة. ومع تحول هذه الحروب إلى عبء يستنزف ما تبقى من شرعية النظام، تصاعدت حالة السخط الشعبي…