ضياع البوصلة عند الكرد في كردستان سوريا…. سردية تمس قلب الحقيقة

حوران حم

لم يعد الحديث عن ضياع البوصلة لدى الشعب الكردي في كردستان سوريا رفاهية سياسية أو اجترارًا لخطابات اليأس، بل أصبح توصيفًا دقيقًا لمرحلة يعيشها الكرد منذ سنوات، مرحلة تقف بين هويّة ممزقة وأحزاب متشظية، بين أحلام شعب لا يتزحزح عن ثوابته، وواقع سياسي يزداد تعقيدًا كل يوم. ففي هذه الرقعة الجغرافية التي كانت يومًا بوابة الوعي القومي والحلم التحرري، تحوّلت المبادئ إلى أدوات للمساومة، وصار الولاء يُمنح وفق سعره في السوق السياسي، بينما تُركت القضية الأساس على الهامش، تُستنزف وتُنهش من كل اتجاه.
من أين بدأ الضياع؟
كردستان سوريا لم تكن يومًا فقيرة بالمبادئ ولا بالشباب المؤمن بقضيته، لكنها كانت – دائمًا – فقيرة ببيت سياسي موحّد. وربما هنا يبدأ الخلل، فحين يكون الشعب أكثر وعيًا من أحزابه، وأكثر صدقًا من قياداته، تنشأ الهوة التي التهمت الكثير من طاقات المجتمع الكردي. ومع الوقت، ومع اشتداد الضغوط الإقليمية والدولية، بدأت الأحزاب تبحث عن مخارج فردية، وعن دعم خارجي يحمي وجودها التنظيمي بدل أن يحمي وجود القضية نفسها.
ومع تزايد الارتهان، صار الانتماء للحزب لا للقضية، وصار الولاء لقيادة حزبية لا للوطن الذي يمشي على قدميه الجريحتيْن.
المصالح الشخصية… ثقب الروح
حين تتقدّم المصالح على المبادئ، يصبح الحديث عن النضال نوعًا من الشعارات المستهلكة. ما ألمّ بالشعب الكردي في كردستان سوريا ليس النقص في الشجاعة أو الخوف من التضحية، إنما انغماس بعض القيادات في حساباتها الخاصة، وتحويل المبادئ إلى أدوات في صراع النفوذ، لا في خدمة قضية أقدس من أسماء الأشخاص والأحزاب.
لقد تحوّلت المواقف السياسية إلى صفقات، وتحول النضال إلى لغّة قابلة للتكييف وفق ”من يدفع“، ووفق أجندة من يمنح الدعم المالي أو السياسي. أما القضية التي يفترض أن تكون فوق الجميع، فقد وُضعت على رفّ الانتظار إلى حين تتوافق مصالح الطرفين… وانتظر الشعب كثيرًا.
التبعية الاقتصادية… وجه آخر للارتهان السياسي
أكثرية الشعب الكردي، الباحث عن لقمة العيش في واقع خانق ومحاصر، وجد نفسه يُدفع – دفعًا – إلى تبعية اقتصادية لأحزاب كردستانية خارجية. هذه التبعية لم تكن يومًا نابعة من قناعة سياسية، بل من الحاجة؛ حاجة البقاء، وحاجة الاستقرار، وحاجة الشعور بأن هناك من يسند ظهره في هذه الفوضى.
لكن المأساة أن هذه التبعية سرقت من الإنسان الكردي بوصلته. صار يعرف الحقيقة ويتغاضى عنها. يعرف أن ولاءه يجب أن يكون لكردستان سوريا لا لغيرها، لكنه يغض الطرف مجبرًا، لأن واقع الحياة أقسى من الشعارات. هكذا تفقد الشعوب قدرتها على رسم مستقبلها: ليس لأن أبناءها يخونون مبادئهم، بل لأن الظروف تُحاصرهم حتى تضطرهم إلى التضحية بما يؤمنون به مقابل ما يعيشون به.
تضخم الأحزاب… وذوبان المطلب القومي
منذ عقود، لم تتأسس الأحزاب الكردية في سوريا على قاعدة الصراع على السلطة داخل كردستان سوريا بقدر ما تأسست على قاعدة الولاءات الممتدة إلى خارج الحدود. ومع الوقت، تحوّل المشهد الحزبي إلى فسيفساء مربكة: عشرات الأحزاب، عشرات البرامج، عشرات الزعامات… ولا قضية واحدة تجمع الجميع إلا بالاسم.
وكلما ضاق التمويل، انشقت الأحزاب أكثر. وكلما تباعدت الأجندات الخارجية، تباعدت المواقف الداخلية. حتى صار المشهد يشبه حديقة مليئة بالأعلام، لكن بلا جذور. ومع هذا التشتت، تاه صوت الشارع، ولم تعد المطالب الكردية واضحة كما كانت. اختلطت برغبات القيادات وشروط الحلفاء واشتراطات الداعمين، فضاع الخطاب، وضاعت معه أولويات القضية.
القضية الكردية… جرح حيّ ينتظر من يضمده
ما يجري اليوم في كردستان سوريا ليس فقدانًا للإيمان بالقضية، بل فقدانًا للثقة بمن يتحدث باسمها. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب شعبًا يناضل منذ قرن. فحين يفقد الشعب ثقته بقيادته، تتشقق الجدران التي تحميه، ويصبح عرضة للتأثير والاختراق والصراع الداخلي.
القضية الكردية اليوم تحتاج إلى من يعيد ترتيب البيت الكردي من الداخل، لا من ينتظر الضوء الأخضر من الخارج. تحتاج إلى قيادة تتخلى عن مقاعدها إذا تعارَضت مع المصلحة العليا، لا قيادة تتمسك بها حتى الرمق الأخير. تحتاج إلى مشروع قومي موحّد، لا إلى مهرجان شعارات مؤقتة.
الطريق إلى الإنقاذ… يبدأ من الداخل
إنقاذ القضية الكردية في كردستان سوريا لا يبدأ بزيادة عدد الأحزاب ولا بخلق تحالفات موسمية ذات أهداف ضيقة، بل يبدأ بإرادة حقيقية تضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار. يبدأ بإعادة الاعتبار للبيت الكردي، بتنظيفه من التبعية، ومن الخلافات المصطنعة، ومن الانقسامات التي لا تخدم سوى من يريد لهذا الشعب أن يبقى ضعيفًا.
إنقاذ القضية يبدأ بإعادة البوصلة إلى مكانها:
نحن هنا… في كردستان سوريا، لسنا ذيولًا لأجندات الآخرين، ولسنا سوقًا لتجارب السياسة الإقليمية. نحن شعب له قضية، وله أرض، وله تاريخ، ولا يحق لأحد أن يختزلنا في خطاب أو حزب أو ولاء خارجي.
ربما يعيش الشعب الكردي اليوم ضياعًا مؤلمًا، وربما تبدو الطريق طويلة ومليئة بالعثرات، لكن الشعوب التي تمتلك قضايا عادلة لا تموت. ما يحتاجه الكرد في كردستان سوريا ليس معجزة، بل لحظة صادقة يضع فيها الجميع أيديهم على جرح الحقيقة:
لقد ضاعت البوصلة… فلنعيدها.
لقد تشظّى البيت… فلنرتبه.
لقد ضعفت القضية… فلننهض بها من جديد.
فالقضية الكردية أكبر من الأحزاب، أكبر من الأفراد، وأكبر من كل من يحاول استغلالها.
إنها حقّ شعب… لا يجوز أن يُترك للضياع.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس هل يمكن لشعبٍ ما يزال يبحث عن تثبيت وجوده، أن يتحمّل ترف تحويل النقد إلى ساحة تهجّم، والخلاف إلى انقسام؟ أم أننا اعتدنا أن نستهلك طاقتنا في الداخل، حتى بات الصراع بيننا أكثر وضوحًا من صراعنا مع من ينكرنا؟ هل أصبح النقد عندنا أداة لتصفية الحساب، لا وسيلة لتقويم المسار؟ وهل فقدنا القدرة على التمييز بين مساءلة…

شادي حاجي في ظل التعقيدات المتزايدة التي تحيط بالمشهد السياسي الكردي في سوريا ، يبرز نمط من الخطاب العام يتّسم بقدر عالٍ من التوتر والانفعال ، حيث تتكرر مفردات مثل “ الخيانة ” و“ العمالة ” و“ السمسرة ” بوصفها أدوات جاهزة لتفسير الخلافات والتباينات . ورغم أن هذا الخطاب يعكس مشاعر حقيقية من القلق والإحباط ، إلا أن…

الكاتب والحقوقي: محمد عبدي يُشاهد العالم استراتيجية جديدة في الاتفاقيات الدولية والداخلية من حيث التضليل والحقيقة عن الإعلان بنود الاتفاقيات المبرمة بين الدول أو الجهات المحلية المتنازعة بكامل بنودها، الحقيقية التي تم التفاوض والقبول عليها للإعلام. وحدها التفاصيل الحقيقية هي التي تعزز المصداقية داخليا وخارجياً, فإخفاء الحقيقة عن الرأي العام يترك قلقاً دائما لدى الدول التي تربطهما مصالح مشتركة وحتى…

خوشناف سليمان تُعد إشكالية الشخصنة، وما يرتبط بها من مركزية مفرطة في العمل الحزبي، من أبرز العوامل المفسِرة لهشاشة البنى التنظيمية وكثرة الانشقاقات في الأحزاب ذات الطابع التسلطي. فعندما تتركز السلطة بيد السكرتير العام والدائرة الضيقة المحيطة به، تتقلص فرص المشاركة الديمقراطية للقواعد الحزبية، وتضعف آليات النقد والمساءلة الداخلية، ما يحول الحزب تدريجياً إلى أداة لترسيخ هيمنة النخبة بدل أن…