البروفيسور سربست نبي وصناعة المعنى وسط العاصفة.. حين يفكّر العقل الكردي خارج الخرائط

عمار حسو

في وقتٍ طغت فيه التحليلات السطحية والخطابات الشعبوية على المشهد السياسي الكردي، برز البروفيسور سربست نبي كأحد الأصوات الفكرية النادرة التي تتعامل مع السياسة بوصفها مسؤولية معرفية، لا منبراً للاستعراض ولا موسماً للمزايدات.

فعلى عكس الكثير من المحللين الذين يكتفون بتعليق سريع على الأحداث، يتعامل نبي مع السياسة كمسارٍ تاريخي معقّد، تتشابك فيه الجغرافيا مع الهوية، والإرادة مع المصالح، والواقع مع الذاكرة الجماعية للشعب الكردي. وهو في مقاربته لا يكتفي بوصف ما يجري، بل يسعى إلى تفسيره وتفكيكه، في محاولة لبناء وعي سياسي يتجاوز ردود الفعل اللحظية والانفعالات العاطفية.

 

قراءة عميقة للمشهد الكردي

يقدّم البروفيسور سربست نبي في تحليلاته رؤية مختلفة للقضية الكردية، حيث لا يتعامل معها كملف سياسي عابر مرتبط بظرف أو مرحلة، بل يراها مساراً حضارياً ممتداً، وجرحاً تاريخياً مفتوحاً في جسد الجغرافيا السياسية للمنطقة. لكنه في الوقت ذاته يبتعد عن الخطابات العاطفية، ويركز على ضرورة بناء وعي عقلاني قادر على قراءة الواقع ببرود وموضوعية بعيداً عن الوهم أو التهويل.

وفي تصريحاته ومداخلاته الفكرية، يكرّر نبي أن الخطر الأكبر على الشعوب لا يأتي دائماً من الخارج، بل من داخلها، حين تستسلم للوهم السياسي، أو تقع في فخ التبعية والرهانات الخاطئة على الآخرين.

 

السياسة كمعركة وعي

يرى نبي أن الصراع الكردي ليس مجرد صراع على الأرض أو السلطة، بل هو في جوهره صراع على الوعي والهوية والقرار المستقل. لذلك يركز في أطروحاته على أن تحرير الأرض ليس بالضرورة أن يبدأ من السلاح، بل من الفكرة الواعية، لأن الفكرة هي التي تصنع المشروع، والمشروع هو ما يصنع الدولة أو الكيان.

كما يؤكد أن المصلحة الكردية لا تُبنى بالاندفاع والانفعال السياسي، ولا بالارتهان لمحاور إقليمية ودولية، بل من خلال عقل استراتيجي قادر على تحويل الجغرافيا المقهورة إلى جغرافيا قرار، وعلى تحويل الألم التاريخي إلى معرفة سياسية ناضجة.

 

بعيداً عن الاصطفاف

أكثر ما يميّز خطاب سربست نبي أنه لا ينتمي إلى منطق الاصطفاف السياسي الضيق، ولا يكتب من موقع التمجيد لهذا الطرف أو ذاك. فهو يحاول أن يحافظ على مسافة نقدية من جميع القوى، واضعاً معيار المصلحة الكردية العليا فوق الحسابات الحزبية والمزاجية.

ويعتبر أن واحدة من أخطر إشكاليات الواقع الكردي اليوم هي الوقوع في فخ التبسيط واختزال القضايا الكبرى في شعارات شعبوية، وهو ما يؤدي إلى تشويش الوعي وإرباك الرؤية الاستراتيجية.

 

صناعة الوعي بدل بيع الوهم

في المحصلة، لا يقدّم البروفيسور سربست نبي وعوداً حالمة ولا يصنع وهماً سياسياً للاستهلاك العاطفي، بل يسعى – عبر كتاباته وتحليلاته – إلى صناعة وعي نقدي يدفع العقل الكردي إلى التفكير خارج ردود الفعل، وخارج الخرائط التقليدية، نحو أفق أكثر واقعية وأكثر مسؤولية.

وفي زمن أصبحت فيه الأصوات العاقلة نادرة وسط صخب المنصات الإعلامية، يظل صوت سربست نبي نموذجاً للمثقف الذي لا يلهث خلف الشعبية، بل يؤمن بأن المعركة الأهم اليوم ليست على حدود الجغرافيا، بل في حدود العقل والوعي.

Amar Haso – البروفيسور سربت نبي وصناعة المعنى وسط العاصفة حين… | Facebook

شارك المقال :

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…