مؤتمر الرقة ورسائل الصراع غير المعلن بين أمريكا وتركيا

د. محمود عباس

يُجرى التحضير لعقد مؤتمر وطني في مدينة الرقة، على غرار مؤتمر الحسكة الذي انعقد في 8 آب/أغسطس 2025، والذي مثّل محطة مفصلية في التاريخ السوري الحديث. وكان من المقرر أن يُعقد المؤتمر التشاوري، أو ما يُعرف بـ “ملتقى الرقة التشاوري”، يوم الإثنين 25 آب/أغسطس 2025، ليُفتح فيه الحوار حول صياغة دستور سوري وطني جديد، غير أنّه تأجّل إلى موعد لم يُحدّد بعد، حرصًا على استكمال التحضيرات وضمان مشاركة أوسع.

لقد أثبت مؤتمر الحسكة، بمخرجاته وتنوع المشاركين فيه، أن الوطنية السورية الحقيقية لا تختزل في لون واحد أو إيديولوجيا أحادية، بل تتجسد في التعددية والشراكة والاعتراف بحقوق جميع المكوّنات، وبنجاحه في جمع هذا الطيف المتنوع من السوريين، وجّه رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأنّ سوريا المستقبل لا يمكن أن تُبنى على الإقصاء والإنكار.

وفي المقابل، كشف المؤتمر الوطني السوري الذي عُقد في دمشق برعاية ما يُسمّى بالحكومة السورية الانتقالية، عن حقيقة أنّه لم يكن سوى محاولة لإعادة إنتاج النهج الإقصائي الذي مارسه نظام البعث والأسد على مدى أكثر من نصف قرن.

  لقد برهن مؤتمر الحسكة أن شرعية الوطنية لا تُستمد من شعارات جوفاء أو رعاية سلطوية، بل من المشاركة الفعلية لكل القوى المجتمعية والسياسية، ومن إرساء قواعد التعددية والديمقراطية.

هذا النجاح أثار حفيظة أنقرة، التي سارعت إلى التحريض على مهاجمة مؤتمر الحسكة، ودَفعت الحكومة الانتقالية لتبني خطاب عدائي علني تجاهه، لم يقتصر الأمر على التصريحات، بل كلّفت تركيا شريحة من المتطرفين بتنفيذ عمليات تشويه، مدعومة بادعاءات واهية لا تخدع أحداً، أمام ذلك، وبمبادرة قد تكون بتشجيع مباشر من باريس وواشنطن، بدأت ملامح مؤتمر وطني جديد في الرقة، يُرتجى أن يكون أكثر شمولية، يغطي كامل الخارطة السورية، ويطرح بديلاً سياسياً جامعاً يضع القوى الإقليمية والدولية أمام حقيقة لا يمكن إنكارها، أن الحكومة السورية الانتقالية غير قادرة على احتضان الشعب السوري، لأنها أسيرة ثقافة إيديولوجية أحادية الوجه والفكر.

ومن المتوقع أن يكون لمؤتمر الرقة المقرر عقده في 25 آب/أغسطس 2025 أثر يتجاوز نطاق جغرافية الإدارة الذاتية، إذ قد يفتح الباب نحو بيئة وطنية حقيقية تنذر القوى الإقليمية والدولية بأن الشعب السوري لن يقبل بعد اليوم إعادة تدوير الاستبداد بواجهات جديدة، فإن أرادت الحكومة السورية الانتقالية أن تنقذ نفسها من مصير محتوم يشبه مصير النظام البائد، فعليها أن تسعى للشراكة في هذا المؤتمر، كخطوة أولية نحو إعادة النظر في الدستور، وبناء برلمان فعلي، وتأسيس عقد وطني جامع، غير أن هذه الشراكة لن تكون ممكنة من دون قبول مبدئي بمبدأ الفيدرالية واللامركزية، وإقرار بأن الوطن ملك لجميع مكوناته بلا استثناء.

لكن هذا المسار لن يخلو من العقبات، فأي محاولة للحوار بين الحكومة الانتقالية والإدارة الذاتية، أو للتقارب مع الحراك الكردي والمكونات الأخرى، ستواجه بمعارضة شرسة من المنظمات التكفيرية، وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، وكذلك من بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها تركيا، ولذا فإن أي خطوة من هذا النوع ستعني ضمناً مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع أنقرة، ولن تكون ممكنة إلا برعاية دولية واضحة، وعلى رأسها الرعاية الأمريكية، التي بدأت بالفعل تدفع نحو توافق وطني جديد يوازن بين مختلف القوى السورية.

وفي الواقع العملي، بدأت الساحة السورية تُظهر إلى العلن مواجهة غير مباشرة بين المصالح التركية والأمريكية، ولا شك أن إسرائيل من القوى المعنية في هذا المجال، وما يُتوقع أن يحدث قد يشبه ما جرى في المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وإيران، رغم أن تركيا تبقى دولة ذات علاقات استراتيجية عميقة مع واشنطن على مستويات متعددة، لكن السياسة الأمريكية الحديثة، وخصوصاً في ظل التوجهات “الترامبية”، باتت تضع مصلحة الولايات المتحدة فوق أي تحالف تقليدي أو شراكات تاريخية. ورغم أن الإشكالية السورية لم تعد على رأس أولويات البيت الأبيض، إلا أن ذلك لا يعني غيابها عن أجندة المصالح الأمريكية، فواشنطن تظل تراقب مجريات الأحداث في سوريا بوصفها جزءاً من استراتيجيتها للشرق الأوسط، وبوابة مراقبة لما يجري في العراق ومحيطه.

وعليه، فإن مؤتمر الرقة المرتقب لن يكون مجرد لقاء سياسي محلي، بل خطوة اختبارية فاصلة للحكومة السورية الانتقالية والمنظمات التابعة لها. هذا المؤتمر سيكشف بجلاء المسار الذي ستسلكه سوريا: فإما أن تنفتح هذه الحكومة على شراكة حقيقية مع قوى الإدارة الذاتية، وفي مقدمتها الحراك الكردي، بما يقود إلى عقد وطني جامع يؤسس للتعددية والفيدرالية؛ أو أن تختار الارتماء مجدداً في حضن الاستبداد بأقنعة جديدة، لتعيد إنتاج الماضي المظلم بثوب آخر.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

20/8/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…