المسلمون الكورد

ابراهيم زورو

ينسى المسلمون الكورد بأنهم كانوا أصحاب أعظم ديانة بهرت العالم، الذي أخذوا منه جملةً وتفصيلاً، حتى أنهم نسبوا زرادشت إليهم. وتضيف ماري بويس بأن الزرادشتية أقدم ديانة على الإطلاق، ومعرفتها ضرورية لمعرفة الديانات الأخرى.، “تُعَدُّ الزرادشتيةُ أقدمَ دين من بين أديان الوحي العالمية، ولعلَّها أثّرت، بشكل مباشر وغير مباشر، تأثيراً كبيراً في الإنسانية أكثر من أية ديانة أخرى… استقت اليهودية والمسيحية والإسلام إلى جانب الفرق الغنوصية العديد من المبادىء الهامة من الزرادشتيه”[1].

السؤال الذي يطرح هنا: كيف للمسلمين الكورد أن يبادلوا ذهبهم بلباس العالم الرث والبالي؟

باعتقادي هناك سببان في هذا الانعطاف الذي نحن بصدده:

أولاً: أن الذين أصبحوا مسلمين كانوا يعانون من اغتراب داخلي، حتى ركبوا الموجة ولم يفكروا بأي صلة تربطهم ببني جلدتهم! والوقوف بجانب الحملة التي قادها عياض بن غنم لهو أمر بحاجة إلى دراسة نفسية! فالاغتراب أمسى جزءاً من مفهومهم، فلم يعد العقل أو الوجود يشكل لهم أي معضلة!وثانياً: ربما يتحمل المجتمع جزءاً من معاناتهم، لكنهم لم يشعروا بما هم عليه، وربما لم تتسن لهم الفرصة للتعرف على دينهم. فهم يعلمون بمقتضى الأخلاق والعدالة والإخلاص والفضيلة التي ما زلنا نمارسها وفق الطريقة الزرادشتية، وليس وفق الإسلام الذي أُدخلنا فيه عنوة عنا.

 فيشير ماري بويس إلى هذا المبدأ عبر مفهوم آشا” كان لمفهومِ آشا معنىً أخلاقيٌّ أيضاً، كونها تقودُ تصرفاتِ الناس؛ فالخصائص التي يتصفُ بها الإنسان كالحقيقة، العدالة، الإخلاص، الشجاعة والفضيلة هي النظام الطبيعي للأشياء، أمّا الخطيئة والشر فيُعَدّانِ خرقاً لذلك النظام. وهكذا نجدُ من الصعوبة ترجمة كلمة آشا، فهناك مفاهيم تماثلها في سياق الكلام: فهي النظامُ عندما يدورُ الحديثُ عن العالم المادي، أو هي الحقيقةُ والعدالةُ والإخلاصُ عندما يدورُ الحديثُ عن الأخلاق”[2]

ربما هذه القيم هي التي يتمتع بها أغلب أبناء الشعب الكردي في مكان إقامته في كردستان. هذه الصفات التي يفتقدها أغلب البشر، لأن النظام الطبيعي للأشياء هو ما عبّر عنه سبينوزا في كتابه “اللاهوت والسياسة” على أن الله هو الطبيعة والطبيعة هي الله.

إن من يترك ويشلف وجوده على قارعة الطريق لا أعتقد أنه سيلتفت إليه في يوم ما. ولو كان يلزمه لكان عليه أن يحتفظ به ويصونه بين الفترة والأخرى. في الأيام القليلة الماضية هاجم دكتور في التاريخ الإسلامي الكورد قائلاً: لولا الإسلام ما كان للكورد من أخلاق!؟

طبعاً هو يصف نفسه أولاً، ومن ثم أسرته وهكذا… وعلى مرأى من الجميع؟! مثل هذا “الدكتور” لا يمكن أن يكون مكانه في الجامعة، لأنه يسيء إلى تاريخه وتاريخ شعبه الكوردي، وهو مرفوع الرأس؟!

الوجود يُعتبر أهم مصطلح يتم تداوله، ولا يمكن أبداً أن يشيخ. حتى إن الله قد تجاوز سلوكيات البشر وأخلاقياتهم وما إلى ذلك، لما تعلق الأمر بمسألة الوجود المذكورة في الآية القرآنية كسورة “أحد” فها هو الحديث آخر يقول: عن أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال: أَتَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعليه ثَوْبٌ أبْيَضُ، وهو نَائِمٌ، ثُمَّ أتَيْتُهُ وقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقالَ:(ما مِن عَبْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ علَى ذلكَ إلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ قُلتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ؟ قالَ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ قُلتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ؟ قالَ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ قُلتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ؟ قالَ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ علَى رَغْمِ أنْفِ أبِي ذَرٍّ وكانَ أبو ذَرٍّ إذَا حَدَّثَ بهذا قالَ: وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي ذَرٍّ). صحيح مسلم، حديث رقم 94. يظهر في هذا السياق أن الوجود يُعتبر من أقدس الأشياء عند الله نفسه، كونه الكامل. فما بالك بالإنسان الناقص الذي يريد أن يحصل على الاعتراف من قبل مجتمعه؟

حيث يقول الدكتور سربست نبي بحق” أن المرجعية السياسية والأيديولوجية، التي اعتمدها التيار الإسلامي الكوردي لا تنطوي على أيّ اعتراف جادّ وحقيقي بحق الأمة الكوردية في تقرير مصيرها”[3]

المسلمون الكورد، اتخذوا من أنفسهم عبيداً لغيرهم باتوا سلعة ليست لها قيمة تبادلية أو استعماليه، فهم كمواد خام تدخل في كافة الصناعات السياسية وبازاراتها بسبب أو دونه، حتى أنهم اهملوا حياتهم ووسطهم صار ميؤوساً منه ولكنهم يتحركون حسب مزاج اعدائهم كما يتطرق في هذا المنحى الدكتور سربست نبي في بحثه (المسألة القومية في ضوء خطاب الإسلام السياسي). هل يمكن عزل مظاهر انحرافات وعي الانتماء لدى جمهور المسلمين وبعض التيارات السياسية، التي نشهدها كثيراً في المجتمعات الكوردستانية عن رحمها الايديولوجي الاصلي المسمى بالاسلام السياسي؟ وهل مسوّغٌ، بالمعني المعرفي والسياسي، الحديث عن إسلام سياسي قومي تتسق مطالبه الأيديولوجية والعملية مع المصالح السياسية والتاريخية للقومية الكوردية؟ وهل يقدّم خطاب الإسلام السياسي عموماً بديلاً تاريخياً وحلاًّ عادلاً للمسألة القومية في المجتمعات  الإسلامية، وبوجه خاص مسألة الأمة الكوردية، التي تدين في الوقت نفسه . معظمها بالدين الإسلامي، باختلاف عقائده المذهبية وتعاني قهراً قومياً وتنكراً من قبل أنظمة سياسية(عربية، فارسية، تركية) لطالما احتكرت في  نفسها شرعية الحديث باسم الدين الإسلامي؟ إن المفارقة التراجيدية التي أثارت انتباه الكثير من المهتمين، هي تلك عن حقيقة أنه أكثر من قرن وحتى هذه البرهة، تمارس تلك الانظمة، حروب ابادة بحق الكورد، لا هوادة فيها ” كأنهم جسم غريب وشاذ لا يستحق البقاء” أمام انظار الدول والمجتمعات الاسلامية، دون أي استنكار أو إدانة، ودون أن تتحرك ساكناً…”[4]

وقد شددت كافة الادبيات الاسلامية على اهمية صلة القربى وكيف اوصى الله البشر كما يقال باللغة العامية لجار السابع، {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}. [محمدو ( 23-22 )] وكذلك { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً}[5]

ولا داعي أن نكثر من هذه الايات التي تمجد وترفع من شأن صلة القربى! هنا يمكن أن نطرح سؤالاً وجيهاً: لماذا كافة المسلمين من القوميات التي تدين بالاسلام ترفع من شأن شعوبهم، إلا المسلمين الكورد فلهم قول الآخر في هذا المنحى! ولماذا المسلمين الكورد يخدمون مسلمي تلك القوميات ويكرهون شعبهم؟ فيرد الدكتور سربست نبي “تكشف تلك المفارقة الصارخة حجم وعمق المأساة، التي تعرّض لها الكورد تاريخياً من قبل أنظمة سياسية، اتخذت من الدين الإسلامي ومن خطابه المقدّس منهجاً ومبرراً لممارسة سياسات الإنكار والقهر والإبادة حتى الآن. في الوقت نفسه انخرطت معظم التيارات وأحزاب وحركات الإسلام السياسي وتوّحدت خلف تلك الأنظمة في تبرير ممارستها القمعية بحق الشعب الكوردي في كل مكان والتنكر للمحنة الانسانية للكورد، بل وتمادى رموزها وقادتها في تكفيرهم لأنهم ناهضوا الاستبداد بوجه القمع. فقد صرّح مأمون الهضيبي المرشد العام للإخوان اثناء حرب الخليج الثانية بأن الكورد انقلبوا على الدين الإسلامي وخرجوا منه)”[6]

ورغم ذلك باتوا هم مرضى ومازوشيين، ولا هدف لهم سوى أن يمارسوا القمع على شعبهم. ويعلّمونهم ما هو فارغ في سياق الأدبيات الإسلامية، ويصنعون منهم عبيداً، ولا يعرفون بأن الله غفور رحيم لدى كل الشعوب الإسلامية إلا لدى الكورد فله شأن آخر. وهكذا يمكن القول هنا بأن أفكارهم تذهب عمودياً، بينما الأصح أن تكون أفقياً، وهي صفات الإنسان السوي.

أعتقد أنه ما من داعٍ أن نتكلم عن مواقف القوى الإسلامية في شرق كردستان أو في جنوبها، فكلهم يساندون حقوق الشعوب الإسلامية ويساعدونهم على احتلال أراضيهم وتخريب نفسيتهم. وضربوا بعرض الحائط كل التعاليم والآيات القرآنية التي تُبجّل صلة القربى! هؤلاء باتوا مرضى نفسيين ولا يمكن أن يصحوا من مرضهم في المدى المنظور. رغم أن “القرآن حمال أوجه” إلا لدى المسلمين الأكراد فله وجه واحد، هو الوجه الذي يرى أن الكورد زنادقة فقط. وإذا رفعنا الخجل قليلاً لقلنا بأنهم باتوا قوّادين على آلام شعبهم لصالح الغريب! والأنكى أنهم لم يقفوا احتراماً لعلم بلادهم، بينما لدى الآخرين واجب إلهي أن يحترموهم! هذا التناقض العميق في تكوين شخصياتهم التي أدمنت أن تعادي أمتها وشعبها لصالح الشعوب التي تحتل أرضها!

لقد جاهد الشعب الكوردي في كوردستان الشرقية طويلاً في سبيل حصولهم على أدنى حق من حقوقهم القومية، حتى بات هدفاً لتنظيمات الاسلامية الاصولية ضد مطالب محقة للشعب الكوردي، اعلنوا شيطنة الحركة الكوردية وكأن المسلمين الكورد تنازلوا عن حقوقهم القومية لصالح الشعوب الاسلامية الآخرى، “وقد اطلق احمد ياسين صرخته التحذيرية تلك إسلامياً عروبياً، من طراز البعثي. لا يجد أي مبرر للفصل بين العروبة والاسلام لديه، والحال حين قتل هذا الأخير على يد القوات الاسرائيلية لم يأبه قط اسلاميو كوردستان بتصريحه المناهض لحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره واستطاعوا بسهولة تعليق العمل بموجب انتمائهم القومي، وانحازوا بشده لاسلاميتهم الكوزموبوليتكية، فأقاموا المآتم وسرادق العزاء لمصرعه”[7]

أيوجد أن تعزي من كان لك عدواً؟ في أي منطق علينا أن نصرف هذه التصرفات؟ كيف يمكن أن نبرر هذا التصرف؟

فالكورد المسلمون لا يبيعون أنفسهم فحسب، وإنما يضيفون إلى ذواتهم ذوات أسرهم، بدون أن يكون لهذا الأمر صدى لدى القائمين على رقبة الإسلام السياسي. وكذلك الأمر مع العناصر الكوردية في أحزاب الشيوعية، أما وجودهم في صفوف الأحزاب الحاكمة فله شأن آخر.

وأعتقد أن الأحزاب الكوردية قاطبة تنحو هذا المنحى، رغم أن بعض الأحزاب العلمانية تقول بين الفينة والأخرى إنها ضد الإسلام، لكنها تشاركها في الهدف، والأمثلة كثيرة لا داعي أن نذكر بديهيات في هذا المنحى. فالعلماني والمسلم الكوردي يتشابهان من جهة وجودهم المهمّل لدى الآخرين، والسبب يعود إلى أنهم يفتقدون أي نظرية، أو أن وجودهم مبعثر وتابع للآخرين، فبالتالي يصلحون فقط أن يكونوا بضاعة كاسدة!

وكما يعلم الجميع أن الكورد قد حاربوا باسم الإسلام، ولا داعي أن نسهب هنا حول أعمال العبيد التي تصب في مصلحة سيدهم. فالعبيد دائماً وقود رخيص لحروب الآخرين من أجل أهدافهم. أعتقد أنه لولا الفن واللغة الكوردية لما بقي كوردي واحد على قيد الحياة. إضافة إلى ذلك الدين الإيزيدي والبارساني والزرادشتي! ولهذا موضوعه بحث خاص، لما عانى الكورد من تلك الأديان ومصائب المسلمين وخاصة الكورد منهم.والأنكى من ذلك أننا نرى اليوم التنظيمات الإسلامية قد ملأت الساحة الكوردية بالتمام والكمال، ولا يخفون عبوديتهم للآخرين. ورغم ذلك لم يسجل التاريخ الكوردي أي أثر للإسلام في تاريخنا، والذي كان من الممكن أن يسيطر الإسلام نتيجة الجهل. إن الإرهاب يسبقه الجهل ويكون سبباً لوجوده. ففي تلك الأثناء لم يكن للإسلام وجود. أما اليوم الذي أمست فيه سرعة الكلمة تضاهي سرعة الرصاصة وأكثر، نرى تكاثر التنظيمات الإسلامية على الساحة الكوردية. فمن يفسح لهم المجال فإن تفكيره هو تفكير العبيد ذاته، طالما يجعل ساحته مضماراً لخيول الآخرين، فإنه يفقد رجولته بكل الأحوال.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: كيف يعيش وينتعش المرء بنظرية الآخرين؟ وينظرون إلى خيانتهم على أنها أمر إلهي ويجب أن يُطاع! ولا داعي أن نقول هنا: إن كل الخلفاء الراشدين قتلوا؟ وكذلك الأعمال الإرهابية التي قام بها العثمانيون الأتراك ضد عائلاتهم أمر يدعو إلى الدهشة التي لا يمكن وصفها تحت أي جريمة! ولا تستطيع أي ثقافة أن تبرر مثل هذه الجرائم! فهي تعادل جريمة أيوب التي اقترفها الله بناءً على التحدي بينه وبين الشيطان! ونحن لا نندهش حينئذ من جرائم الأتراك ضد الكورد أو القوميات الأخرى، أو أثناء احتلالهم للبلدان الأوروبية. وفي هذا السياق يقول سبينوزا في كتابه “الرسالة في اللاهوت والسياسة”: إن معلوماته عن الإسلام مأخوذة من أفعال العثمانيين في البلدان التي احتلوها. وهذا يدل على أن الإسلام اتسم بصفات العثمانيين. فالأتراك قد ربحوا نظرياً، كأنهم يقولون: هي ثقافة العرب! وأعتقد هو شكل الإسلام الصحيح! إذا تجاوزنا البشر الذين يعبدون الله بشكل طبيعي وليس لهم علاقة بالآخرين! جرائم المسلمين وفتوحاتهم مبررة لدى العبيد الكورد من المسلمين. ولا داعي أن نقول إن “مكة” نفسها تعرضت للضرب على يد الأتراك، وما يزال العرب يعطونها الحق كي تكون ممثلة باسم الإسلام؟ هذه الأشياء باتت من البديهيات لا تحتاج إلى البراهين لتأكيدها، طبعاً يستثنى من ذلك العقول التافهة والصغيرة.

ولم يشذ عن ذلك كل من مرشدي الإخوان، من مأمون الهضيبي إلى راشد الغنوشي، وأحمد ياسين. فكلها تدور وتدخل في باب النفي والرفض لفكرة وجود الكوردي. طبعاً عدا رؤساء العرب، طالما نحن نتكلم عن الإسلام، وكيف أن الإسلام قد قام باستلاب الوعي القومي للشعب الكوردي تماماً. هذا الاغتراب الكوردي قد استمر طويلاً جداً في سياق وجوده ورؤية الآخرين له. فكيف يمكن أن نعالج الاغتراب ومعه الذهان والعصاب الذي ألمّ بالكورد؟

هناك حقيقة واضحة وهي التناقض بين الخارج، من حيث كوزمولوجية الفكر الإسلامي، والواقع اللغوي الداخلي، الذي يجعل الكورد عبيداً. نفهم من ذلك أن حتى عبودية الكوردية غير معترف بها، فكيف بالوجود الكوردي العلماني على سبيل التهكم! فالواضح أن لا أحد من الإسلاميين يعترف بهذه اللغة، سواء صنعت عبيداً أو غيره، وهو الأساس الذي يقوم عليه كونية الفكر الإسلامي! أعود إلى القول مسرعاً فأقول: إن هذا الأمر بات معروفاً على المستوى السياسي الكوردي. فأول حزب تشكل في سوريا تنازل عن مبادئه وأهدافه، وأيضاً تنازل حزب العمال الكوردستاني عن الأهداف التي قامت عليها، فأقر بمبدأ الأمة الديمقراطية. وكذلك المجلس الوطني الكوردي ضد بني قومه في عفرين! فهذه لا يمكن أن تكون نقيصة الإسلام الكوردي. أصلاً هو الذي تعلم من المجلس الوطني الكوردي ومن “PKK”. وما هذه الاتفاقية الأخيرة بين الإدارة الذاتية وحسن عبد العظيم إلا خير مثال على ذلك. فمن المؤكد أن المرء يستطيع أن يعبر الشارع وأمامه بلباس داخلي دون أن يخجل، هذا ما يقوله هيغل لأصحاب الفكر البسيط! وهم بسطاء إلى حد التخمة!

نحن نفهم اليوم لماذا قال محمد أو من يماثله بعدم ترجمة القرآن؟! فإنه يفقد بكل تأكيد مقدسه جملة وتفصيلاً، وينزع عنه تلك الصبغة الإلهية التي نعرفها، كلي الخير. وخير مثال على ما نذهب إليه الترجمة الكوردية للقرآن، وهي بهذه البساطة الساذجة جداً. ربما الأمر كذلك في سائر الترجمات الأخرى، فإنه يفقد مقدسه تماماً ويبقى قطعة أدبية لا قيمة لها. من هنا ربما لا أحد يخاف إله المسلمين، وكذلك قد فقدوا وجودهم لصالح وجود الآخرين. هذا الاغتراب النفسي والوجودي في الحالة الكوردية فيه تناقض صارخ لا يمكن أن يرأب نهائياً. لو دققنا: لماذا هذا الاغتراب؟ فالجواب الذي يقفز إلى أذهاننا فوراً هو أن الهامشيين الكورد ورعاعهم على وجه الخصوص هم من ركبوا الموجة الإسلامية في بادئ الأمر، كونهم يعيشون حالة الاغتراب أصلاً، وهم قائمون على بيادر المجتمع الكوردي. والطبيعي جداً أن ينهشوا لحم من كان سبب اغترابهم عن مجتمعهم. ومنهم من يسير بأصله وينسب نفسه إلى معاوية، أو إلى سدنة أهل البيت، أو يربطون صرتهم بسرة النبي ذاته أو غيره من الشخصيات الإسلامية المريضة. ولا يمكن أبداً المزج بين القوميتين الكوردية والعربية. وهو لن يرى بالتأكيد أن أصله كان قاتلاً. وفي هذا المنحى هناك مقولة فلسفية تقول: كيف تقنعهم بالبرهان وهم بالأصل استسلموا لهذه الفكرة دون البرهان والأدلة؟ هذا الاغتراب عن واقعه يتحمله الفكر القومي الكوردي، إن كان موجوداً أصلاً، من جهة، ومن جهة أخرى النظام الدولي الذي قسم كوردستان إلى أقسام بين تركيا وسوريا والعراق وإيران! عدا أن الدول الغاصبة لكوردستان عملت على توسيع هوة الجهل والاغتراب ليكون على مصراعيه. هذا الحقد على بني قومه لا يمكن أن يُفسر حتى بالاغتراب ذاته. فالاغتراب مرض كسائر الأمراض له أسبابه وشكل علاجه، أما في الحالة الكوردية فلا أعتقد أننا نملك سبل الشفاء من هذا المرض العويص! فقد سخّرت القوميات أعتى دكاترة علم النفس لهذه المهمة، وهم يقومون بقتل الأطفال وحرق محاصيل الكوردي بدون وجه حق، وهم لا يمكن أن نطلق عليهم بأمراض أخرى!

الاغتراب هو حالة كأنك لا تعيش في مجتمع له لغته وعاداته وتقاليده، وكأنه مجتمع نازل من السماء، وليس لديك أية فكرة عنه فيما مضى. هذا هو الاغتراب الكوردي، على مستوى السياسة والدين. هذا الاغتراب هو نفسه قائم بين ظهراني الشعب العربي من حيث إنه مقسوم بين السنة والشيعة، بينما كلاهما عربيان الأصل. الدين قد جعل من الشيعة كقومية قائمة بذاتها لا تحبذ العيش مع السنة. أما الاغتراب الكوردي فهو أشد فتكاً ودماراً مما لدى الشعوب الأخرى. فاستقلال كوردستان هو دواء شافٍ لهذا الاغتراب. نرى بموجب هذا التقسيم الديني أن إيران تقوم بابتزاز العرب عبر هذا الاغتراب ذاته، وكذلك تركيا عبر أذرع السنة. وهكذا يكتفي الفكر العربي أو العروبي ولا رأي لهما، فلا يمكن أن يُقوّم الأمر على أنه عمل طارئ. السلاح الذي استخدمه العرب في غزواتهم قد ارتد عليهم بطريقة لا يمكن علاجها. إن الجرح العربي قد عولج تماماً عبر السنوات التي استطاع فيها الإيرانيون والإسبان أن يعالجوا المشاكل التي وقعت هنا أو هناك. فمن يستطيع أن يقنع الشيعي بأنه عربي الأصل وإسلامي الديانة، وأن علي بن أبي طالب هو عربي كذلك مثل محمد! أو يقنع السنة بأن معاوية كان دكتاتوراً دموياً لا يمكن أن يقارن بالإنسان السوي السليم العقل والبنية.

علماً أن إحدى الأدوات التي يمكن أن نسيطر بها ونقود شعباً من الشعوب ونؤثر في لاوعيه –إن شئت تخريبها- هو أمر واحد: الوهم يجعل من المرء غير ذاته، وهو يأخذ من نفسه خرقة بالية بيد هذا القائد أو ذاك، أو إحدى النظريات الغامضة التي تفعل فعلها في رؤوس صغيرة، فيرميه في حقل اغترابي، وتستطيع أن تصنع منه عصا تؤدب أقوى الشعوب. هذه الرؤوس الصغيرة على أكتاف بعض الشخصيات الدينية الكوردية عندما سلموا جسدهم وبكل محتوياته إلى الدين الإسلامي ونسوا تاريخهم ولغتهم. السؤال الذي يطرح هنا هو: كيف نعيد له نفسه، ويشفي عصابه وذهانه، ويعيد تركيب نفسه في يوم ربيعي؟ إن السرديات بشيء من التحوير هي أنها تراكم نظري ومعرفي في سياق مجتمع ما. لو اجتهدنا في الوضع الكوردي فإنه كان غنياً بسرديات جميلة قبل صياغة أي مجتمع شرق أوسطي، وكذلك على المستوى الديني “الزرادشتي”. وكذلك أن الشعر قد لعب دوراً مميزاً لكن لم يتم اختماره كي يلعب دور السرديات الكبرى. فقد أتى تقسيم كوردستان بلاد الكورد بين الإمبراطورية الإيرانية والعثمانية، بعدما كان الكورد يلعبون دوراً مهماً في تاريخ تلك الإمبراطوريتين. وكذلك دخل الدين الإسلامي على يد “عياض بن غنم” فقد ألغى السرديات الكوردية بالتمام والكمال. فقد لعبت الدول الحديثة في يومنا هذا دور الحارس الأمين لمصالحها، فقد اتفقت دول المنطقة على محاربة الكورد وسردياتهم بأي شكل من الأشكال.اليوم نرى الأمر ذاته مع المجلس الكوردي والإدارة الذاتية، اللتين تعملان على إلغاء دور الكورد في المنطقة.

فقد قال جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي عام 2019 في كتابه الجديد “الغرفة التي حدث فيها الأمر”.

“قابلت اردوغان ولاحظت أن كرهه للكورد لا علاقة له بحزب العمال الكوردستاني بل يكره حتى سماع إسم الكورد، ويعتبر أن الكوردي الجيد هو الكوردي الميت[8]. إنه كره ينم عن مرض نفسي دفين” هذا الكره لا ينم عن مصلحة اقتصادية بحتة، بل يتعدى على سرديات الكورد وهو يعاني من النقص في سردياته العثمانية والتركية والحق يقال، سردية القتل والدمار والموت والايذاء للآخرين، وما اعمال خلفاء العثمانيين حول تصفية اسرهم خير دليل على أنهم لم يفطموا بعد من المملكة الحيوانية، كان على الكورد أن يقوموا بتدجينهم لو أن القيادة الكوردية قيادة حكيمة في ظل العشرات بل المئات من الاحزاب الكوردية ليست لها برنامج وطني بشكله العلمي الصحيح! وهو أمر متناقض مع تاريخها الطويل في ظل السرديات الكبرى ليست للكورد وحدهم بل لشعوب المنطقة كاملة، حتى تاريخ هذه اللحظة، الايرانيون يقولون أن زرادشت هو فارسي، والعرب يقولون أن صلاح الدين عربي، وأن الاتراك يطعمون نسائهم من الكورد (رسالة جلادت بدرخان الى الدكتاتور). كم نحن اغنياء!.

 

[1] مصدر السابق ص 4-5

[2] نفس مصدر السابق ص 10

[3] “گۆڤاری ئە کاديمياى كوردى ژماره(55)(2723-2023ز) ص 392”

[4] نفس المصدر ص 392

[5]النساء . 36

[6] نفس المصدر 393

[7] ص 394

[8] The Room where it Happende: A WhiteHouse Memoir 2020

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الكريم عمي ما هو السر في الحقيقة؟ الثورة السورية قامت في بداياتها على فكرة واضحة وهي بناء دولة سورية ديمقراطية مدنية علمانية تعددية، دولة تقوم على المواطنة المتساوية والشراكة الحقيقية بين جميع مكونات الشعب السوري، وتنهي عقودا من الاستبداد والدكتاتورية والاقصاء. وعلى هذا الاساس انتفض الشعب السوري بمختلف مكوناته، وشاركت قوى سياسية ومدنية وشخصيات وطنية في مواجهة نظام الاسد…

إبراهيم محمود ما كتبتُه في مقالي عن مئوية قامشلو/ قامشلي، قبل أيام ، بعنوان ” ولوعن القليل من الوفاء المشترك لمدينة قامشلو/ قامشلي” كما وصلني من تعليقات ومن تقدير، متوقعٌ، لأن الأسماء التي عرَّفت بنفسها كما هي، أفصحت عن شفافية علاقة وفي دائرة نسَب مكانية تضعنا جميعاً، في محمية جغرافية واحدة، إن أردنا أو نشدنا الدقة، وتتحدانا مستجداتها جميعاً، ولعلها…

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…