ما ليس يكتمل في قامشلي” استدراكات “

إبراهيم محمود

 

ما كتبتُه في مقالي عن مئوية قامشلو/ قامشلي، قبل أيام ، بعنوان ” ولوعن القليل من الوفاء المشترك لمدينة قامشلو/ قامشلي” كما وصلني من تعليقات ومن تقدير، متوقعٌ، لأن الأسماء التي عرَّفت بنفسها كما هي، أفصحت عن شفافية علاقة وفي دائرة نسَب مكانية تضعنا جميعاً، في محمية جغرافية واحدة، إن أردنا أو نشدنا الدقة، وتتحدانا مستجداتها جميعاً، ولعلها أبصرت ظلالاً لقاماتها أو أصداء لأصواتها المختلفة التي تغْني المكان بزمانه وألسنته ذات التنوع.

وما تلقيتُه على واتسابي من ملاحظات لا أقلل من قيمتها أبداً، فثمة حرص، كما هو محتوى كل تعليق. فحياتنا هي ما نعيشه ونتأمله، وتاريخنا هو ما نكونه ونتدبره، ومستقبلنا هو ما نتجلى به من علاقات، أو ما يكونه نبض قلوبنا في جسدنا المجتمعي مستقبلاً.

لقد حاولت تقديم أمثلة جامعة متنوعة في حدود المستطاع، حيث إن مساحة قامشلي الاعتبارية أكبر منا جميعاً، وكل ما يجري ذكْره يشير إلى ما لم يجر ذكره بعد، وهو ما يعزز فينا إرادة البحث عن المزيد لنتنور أكثر.

في الحالة هذه، من الصعب جداً، وربما أكثر، الضبط الفعلي لكل ما يخص قامشلي، وهي في مرونة التهجئة” بال التعريف أو بدونها، بختم الواو أو الياء أو الياء المخففة…” ، حيث القاعدة المكانية واحدة، وما فيها من كرَم ضيافة ورحابة أفق، وللنقاط العلاّمة مأثرتها هنا.

ولا أتحدث هنا مثلما لم أتحدث هناك، عما هو تاريخي مكانيّ بالنسبة إلى القامشلي، فقد دوّن الكثير والغزير الوفير فيها وعنها بلسان أساتذة عاصروها منذ بداياتها الأولى: أنيس مديواية، جورج هرموش، إسحق صومي، جوزيف أسمر…إلخ، إنما هي إشارات. تصوروا، ومن باب التأريخ المقروء في كتاب للأستاذ أنيس مديوايه عن قامشلي ” 1925-1958 ” يورد معلومات لها طابع إحصائي ومكاني لافت، كما في هذا المثال ( ..في عام 1946 أنشأ السيد روحي طيارة اول مطبعة، حيث تمّ طبع اول كتاب لها في مدينة القامشلي وهو كتاب (همس العرائس) للاستاذ محمود تركي الحمش، ثم اسس بعدها السيد جورج هرموش، اول مطبعة حديثة اوتوماتيكية، باسم مطبعة الرافدين فقامت بطباعة اول كتاب للمطبعة لسماحة الشيخ احمد الزفنكي، وهو كتاب (العقد الجوهري) وعشرات الكتب لدار اللواء.

وفي: عام 1951 صدرت مجلة باسم (الخابور) ويرأس تحريرها المحامي الاستاذ سعيد ابو الحسن، ويديرها السيد يعقوب شلّمي، ويحررها السيد جورج هرموش، واستمرت في الصدور حتى عام 1955 حيث تحولت المجلة في عام 1956 الى اسم (المواكب) ويرأس تحريرها ايضاً، الاستاذ سعيد ابو الحسن، والسيد جورج هرموش بصفة سكرتير التحرير، وكان يساهم في التحرير فيها، نخبة وافرة من الكتاب والادباء والشعراء، وجلهم ممن ضمتهم مدينتنا الباسلة بين حناياها، نذكر بعضاً منهم: الاساتذة يوسف قره باشي وحنا سليمان ونديم مرعشلي واوكين بولص شماس والمحامي احمد حديد، والشعراء رضا الصافي وبشارة المشمل واحمد ضحية وامين الحاج حسين وابراهيم احمد وسواهم، غير انها توقفت حين تسلم رئيس تحريرها الاستاذ ابو الحسن، مهام وظيفة كمعاون وزير الاشغال العامة والثروة المائية في دمشق..)

يا لثراء التاريخ بأسماء شخوصه الذين لهم بصمات في تدوينه، وتلوين الاسم بالذات.

أنوّه إلى ملاحظة تكررت تخص الأخوة الأرمن، حيث إنني إلم أورد اسم ” حي الأرمن ” وأنا بصدد لائحة بأسماء أحياء المدينة، وفي الوقت الذي لم آت على ذكرها جميعاً بالمقابل، إنما الملاحظة في محلها، وفي مثل هذا التوقيت أو المناسبة، في مثل هذا التحضير للانتقال إلى مئوية ثانية. الاعتذار مقدَّم لهم، ولكل الذين ربما ذكروا بينهم وبين أنفسهم ما يعنيهم مكانياً، أما عن أسماء الأعلام، فثمة اعتراف آخر بالعجز عن ذكرها في كما الهائل واللافت، ومذ أبصرت قامشلي النور حتى قبل نشْرها بهذا الاسم” كما يذكر الأستاذ اسحق صومي، في مقال بهذا الشأن “، وآمل أن يكون هناك عمل جماعي وتوثيقي حباً بهذه الشراكة.

لقد ذكرت في كتابي ” إيقاعات مدينة ” عن القامشلي، قبل أكثر من ربع قرن، مختصرات أمكنة تمثّل المدينة، بالمعالم التاريخية البارزة فيها، ومن لهم دور فيها في جهاتها الأربع .

 

استئناس روائي

هنا، وبغية تنوير الاسم بأهليه، وما يخص أخوتنا الأرمن ضمناً، تذكيراً بهوية مكانية وثقافية إلى جانب الهويات الأخرى، أشير إلى رواية لها موقعها الجمالي الخاص بالقامشلي، وفيها من الطرافة، أو الإشراقات المكانية الشيء الكثير. أعني بذلك رواية سليم بركات، سليل المكان، وهي حديثة العهد صدوراً نسبياً” ماذا عن السيدة اليهودية راحيل ؟؟-المؤسسة العربية، بيروت، ط1، 2019، في 566 صفحة من القطع الوسط ” وأنا أورد مقاطع مما يفيد هذا الجانب، أكثر من تاريخ يمكن النظر فيه، وأكثر انتماءً إلى واقع ربما لا يحيط به الكثيرون راهناً، وفي هذه المقاطع ما يشد السمع والبصر والخيال معاً، جهة تعددية الأصوات المكانية فيها، وللحي اليهودي موقعه الاعتباري اللافت جهة تاريخه وما يحيط به وما تفرع في الجوار مكانياً:

(بيوت، وحوانيت من عمر المدينة تراصّت متجاورة بقاطنيها من الدّين الواحد، منذ البزرة الأولى عمراناً في تربة ذلك الشمال. ترعرعت البزرة. انتشت. نمت. تفرَّعت سيقانها، فغدت موضعاً قويَّ الأسس بقاطنيه من الكرد والعرب، والسريان، والأرمن، والآشوريين، واليهود، تحت ظل اسم هو قامشلي. ص14 ).

(ضجيج وعجيج من الحلاوة في حوانيت السوق اليهودي. مخلالات مما يخطر ببال الخل أن يحفظ، ومما لم يخطر على باله. كلُّ هذا يلحقه- أو يتقدمه- التبغ سيّد الدخان المنعش رئات أهل الشمال، مجلوباً من معاقل التبغ في تركيا، وفي سنجار العراق، ومرتفعات أواسط آسيا، مفتّتاً في الأكياس، أو مقطّعاً بالشفرات الرهيفة شرائط، أو أوراقاً على حالها عِراضاً، يتصرف بها الشُّراة المدخنون كيفما شاؤوا.ص 15 ).

وعن صالات السينما الدالة على المدنية والذوق الفني والاتصال بالعالم الخارجي، ومن هم أهلوها المدنيين:

(سينما غربيس موزعة داريْن. إحداهما وسط المدينة أقرب إلى شمالها، مسقوفة للفصول طوال العام ودار على قرب من الحي اليهودي لعروض الصيف فقط، بلا سقف، ذات سور عال ٍ من اللَّبِن، وجدار في جهتها الشمالية أعلى من السور ذاته، من إسمنت كشاشة للعرض. أرضها حصى. كراسيها قش وخشب ينثلها المشاهدون أنّى شاؤوا من أرجاء عَرْضتها الواسعة، الشاشعة. للبيوت القريبة منها حظ سكانها من الصعود إلى السطوح لرؤية الأفلام معروضة في الدار التي تتدلى أقدام السماء من سقفها المفتوح على أكتاف المشاهدين. ص 61 ).

طبعاً هناك قلة قليلون يعرفون هذه السينما، وقد شاهدت آثاراً لها. ومدى تأثيرها على محيطها.

ثمة الحديث اللافت عن سينما ” شهرزاد ” الصيفية جهة الشمال، ولا أدري ما مغزى هذا الاسم مقارنة بأسماء صالات السينما في الجهة الجنوبية القريبة منها جداً: حداد، دمشق، فؤاد، ومن كان وراء اسمها أيضاً:

(تقع سينما شهرزاد في الوسط الشمال من المدينة، أسفل الأرض المرتفعة من تلك الأنحاء حتى قرب ٍ من الحدود التركية. ثمتَ جسر يصل طرف المدينة هناك بسطح الأرض المرتفعة قدْراً غير عال كثيراً، إن وقف عليها صبية أمكنهم أن يروا الفيلم على شاشة السينما المواجهة للشمال، لكن لن يسمعوا الصوت في صدفات الصور. وقوفُ صبية هناك، أو جلوسهم أرضاً لرصد الأفلام، يُحذَر ويستخوف. وسط الأرض المرتفعة تلك مبنى استخبارات المدينة، ذو الطبقة الواحدة محاطاً ببعض شجر السرو الأشعث، والقبو السخيّ بقصص زنازينه في شطارات التعذيب، والترويع، والإهانة، لاستنطاق الأجساد ما تعرف وما لا تعرف. ص 142).

ولقد عشت تلك المرحلة، وكان لي ” نصيب ” من مشاهدات للسينما بالمجان خارجاً.

( ما وراء نهاية الأرض المرتفعة، التي تنتهي بانحدار صوب البرزخ بين حدود الدولتين، زرعٌ وفير من أصوات الترك، ومحاصيل وفيرة من صراخ الترك تذكيراً أن سوريا جارية من جواري السلطان ضلَّلها الغرب باتفاقه على اقتسام الجغرافيا في أنحاء من الشرق، فاستولد دولاً ليست دولاً توارثت الخلائق فيها جقدَ الجيران على الجيران، وحقد الأديان على الأديان..ص143).

وما يخص” هذه المرة، وتعبيراً عما هو موثَّق مكانياً صنائعياً، في دمغته الأرمنية، بلسان راوية بركات الكردي:

( يقع مشغل صغير لخراطة المعادن وحدادتها، وإصلاح هزائم القَدَم في مفاصل السيارات، وأحشائها المحرّكة دفعاً بها لتسير، إلى الجانب الشمالي من مبنى دار السينما، ملاصقاً جداراً إلى جدار. آرام أرمين، الأرمني هو سيد المشغل، بمعاون واحد. في الجانب الجنوب الغرب من مبنى السينما مشغل آخر يديره زهراب الأرمني أيضاً. مشغلان لن تتفاداهما سيارة إن تعطلت. تولّي الأرمنييْن مهنة تصليح السيارات، ورأب صدوع العقول في الآلات المعان، وتنبيه المحركات إلى الأدب الذي ينبغي أن يلتزمه كلُّ محرك ببطاريته الثقيلة، حكْرٌ لهم في مدينة قامشلو. ربما خُلقوا هم والمعادن في كهف إله حدَّاد ” أي الأرمن. إشاة من إبراهيم محمود”. للمعادن الحديد، والنحاس، والفولاذ ذاكرتهم، ولهم ذاكرتها. عيونهم لا تخطىء موضع النبض في الآلات ارتفاعاً من علَّة فيها، ومواضع النبض انخفاضاً من وعكة فيها.ص 169).

وهكذا الحال عن مكتبة ” اللواء ” في بعض ٍ عن فخامة المشهد :

( إنها المكتبة الأعظم شأناً في المدينة، سمّاها صاحبها على اسم أرض لم يُعرَف نسبُها أهي سورية، أم تركية. الواقع ينسبها إلى تركيا، التي ضمت الإقليم- المدينة وخليجها، المسمى لواء على الشاطىء الشمال الشرق من البحر المتوسط- إلى خزْنة تاريخها…أما مكتبة ” لواء اسكندرونة ” فهي اجتماع الواقعيّ والخياليّ معاً: الواقعي متحقق ببراهينه في كل ما يتصل بمستلزمات التلميذ في مدرسته، دفاتر وأقلاماً، وحقائب، وحبراً، وخرائط ورقية، وصمغاً ، وورقاً ملوناً لأشغال اللصق التشكيلي، وورقاً للرسم، وألواناً مائية، وزيتية في مواسير، وورقاً أزرق لتغليف الكتب، وشرائح بلاستيك رقيقة، شفيفة، لتغليف التغليف، وسراويل سوداً قصاراً لدروس الرياضة، وكُرات للملاعب مفرَّغة من الهواء يحوجها نفخٌ، وفراشي للتلوين، ومقصات ومباريَ للأقلام الرصاص والملونة، ومساطر، وحوائج أُخر لا غنى للطالب عن اقتنائها…ص284).

كما أشرت في العنوان، ثمة ما ليس يكتمل في مدينتنا، وهذا تعزيز للذاكرة الجماعية أن تطلق سراح مخبوءاتها لتكون سطوراً لها معنى، وهذه تستحيل مشاهد تاريخ، كما هو ” الموقد المتقد بناره ” في شتاء بارد يتحلق حوله أهل المكان بتنوع لغاتهم، ثمة دفء مكاني مشترك يصعد بظلال وجوههم عالياً عالياً.

لقد استهللت مقالاً طويلاً لي عن قامشلي، منشوراً في مكان آخر، من زوايا مختلفة، للهوية المشتركة بمعناها التاريخي موقعها ومأثرتها، وهأنذا أورد ما استهللت به مقالي ذاك مختتماً لهذا المقال القصير، وفي نهاية مفتوحة طبعاً:

( لا بأس أن أقول بداية، وأنا أعدّل في كلمات للشاعر القرغيزي رسول حمزاتوف، منوهاً إلى اللغة، بقوله( النجوم كلها جميلة في السماء، فدعوني أنظر إلى نجمتي )، وأنا أقول ” كل التركيبات المتعلقة بقامشلي جهة الاسم هي جميلة: زالين، بالسريانية، قامشلي المنحوتة عربياً، قامشلو بالكردية، ولهذا دعوني أتهجى اسمها قامشلو دون تنحية الاسمين الآخرين جانباً. مشيراً بداية ونهاية إلى فعل النهر” الهرماس، جغجغ تالياً” في التربة المجاورة، وعلامتها الفاعلة في القصب ودلالة القصب في النمو.) .

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…