من اسقاط الاستبداد الى اعادة انتاجه… اين ضاع مشروع الثورة السورية؟

عبد الكريم عمي
ما هو السر في الحقيقة؟
الثورة السورية قامت في بداياتها على فكرة واضحة وهي بناء دولة سورية ديمقراطية مدنية علمانية تعددية، دولة تقوم على المواطنة المتساوية والشراكة الحقيقية بين جميع مكونات الشعب السوري، وتنهي عقودا من الاستبداد والدكتاتورية والاقصاء. وعلى هذا الاساس انتفض الشعب السوري بمختلف مكوناته، وشاركت قوى سياسية ومدنية وشخصيات وطنية في مواجهة نظام الاسد القمعي، وكان الهدف المعلن هو بناء سوريا جديدة تقوم على الحرية والكرامة والعدالة والمساواة، وليس استبدال نظام استبدادي بنظام اخر يحمل افكارا اكثر تطرفا واقصاء.
لكن ما حدث خلال السنوات الماضية يطرح اسئلة كبيرة تحتاج الى اجابات صريحة، خاصة بعد ان تغيرت موازين القوى السياسية والعسكرية في سوريا بصورة جذرية. فكيف تراجعت القوى التي تصدرت المشهد في بداية الثورة، والتي كانت تمثل المعارضة السورية في المحافل الدولية، من جنيف الى استانا وغيرها، بينما صعدت قوى اخرى الى مقدمة المشهد وتمكنت في النهاية من الوصول الى السلطة؟ وكيف تحولت قوى كانت في مرحلة من المراحل مرفوضة اقليميا ودوليا الى قوى اصبحت جزءا اساسيا من المعادلة السياسية الجديدة في سوريا؟
والاكثر غرابة ان القوى التي كانت تتحدث لسنوات عن الديمقراطية والعلمانية والتعددية وحقوق الانسان وبناء دولة المواطنة، وجدت نفسها اليوم امام سلطة ذات خلفية اسلامية، وبدلا من ان تكون في موقع المعارضة والمطالبة بضمانات دستورية وسياسية واضحة، اصبح جزء منها يشارك في مؤسسات الدولة الجديدة، وكأن كل ما جرى خلال السنوات الماضية لم يكن يستحق هذه التضحيات والتضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب السوري.
وهنا لا بد من طرح السؤال الحقيقي
هل ما جرى كان نتيجة طبيعية لتغير موازين القوى على الارض، ام ان هناك ترتيبات اقليمية ودولية غيرت مسار الثورة السورية وفرضت واقعا سياسيا جديدا؟ وكيف استطاعت قوى كانت لفترة طويلة معزولة او مرفوضة من قوى دولية واقليمية ان تنتقل الى موقع السلطة، بينما تراجعت القوى التي حملت مشروع الثورة السورية في المحافل الدولية وقدمت نفسها باعتبارها البديل الديمقراطي للنظام السابق؟
والسؤال لا يتعلق فقط بالقوى العربية السورية، بل يشمل ايضا القوى السياسية الكوردية التي ناضلت لعقود من اجل الاعتراف بوجود الشعب الكوردي وحقوقه السياسية والثقافية والقومية، ومن اجل بناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية تضمن الشراكة الحقيقية بين جميع مكونات الشعب السوري. فقد قدم الشعب الكوردي الكثير من التضحيات والشهداء، وتحملت الحركة السياسية الكوردية عقودا من القمع والاعتقالات والحرمان السياسي والثقافي، وكان الهدف دائما الوصول الى حل سياسي ودستوري يعترف بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي ضمن سوريا ديمقراطية جديدة.
لكن ما نراه اليوم يثير الكثير من التساؤلات. فكيف يمكن لقوى سياسية كوردية ناضلت طوال عقود من اجل مشروع سياسي واضح ان تشارك في مؤسسات السلطة الجديدة من دون ان تكون هناك ضمانات واضحة لتحقيق الحقوق التي ناضلت من اجلها؟ وهل المشاركة في مؤسسات الدولة اصبحت بديلا عن المشروع السياسي؟ وهل الدخول الى بعض المؤسسات الحكومية يعني ان الحركة السياسية الكوردية تخلت عن المطالب التي دفعت ثمنا باهظا من اجلها؟
لا احد يعارض المشاركة السياسية من حيث المبدأ، بل ان المشاركة يمكن ان تكون وسيلة مهمة لحماية مصالح الشعب الكوردي والمساهمة في بناء سوريا الجديدة، ولكن المشاركة الحقيقية لا يمكن ان تكون مجرد الحصول على مواقع او مناصب، بل يجب ان تكون مرتبطة بمشروع سياسي واضح وضمانات دستورية وقانونية تضمن حقوق الشعب الكوردي وجميع مكونات الشعب السوري. والا فان المشاركة قد تتحول من وسيلة لتحقيق الحقوق الى وسيلة لاضعاف المشروع السياسي والتنازل التدريجي عن المطالب التي ناضلت من اجلها اجيال كاملة.
المشكلة اليوم ليست في ان تتغير التحالفات السياسية او ان تعيد القوى السياسية حساباتها، فهذا امر طبيعي في عالم السياسة، ولكن المشكلة عندما تتحول البراغماتية السياسية الى تخلي عن المبادئ والاهداف التي قامت عليها تلك القوى. فالتاريخ لا يقاس بعدد المناصب التي حصلت عليها الاحزاب، ولا بعدد المؤسسات التي شاركت فيها، وانما بما حققته لشعوبها من حقوق وضمانات وحماية سياسية ودستورية.
والسؤال الذي يجب ان يطرح نفسه على الجميع هو: ماذا بقي من مشروع الثورة السورية بعد كل هذه التحولات؟ وماذا بقي من مشروع القوى الديمقراطية والليبرالية واليسارية والتقدمية؟ وماذا بقي من المشروع السياسي الكوردي بعد كل هذه التضحيات؟ وهل ما زالت هذه القوى متمسكة بمشروع بناء سوريا ديمقراطية تعددية تشاركية، ام ان حسابات المرحلة الجديدة دفعتها الى قبول الامر الواقع والتكيف معه مهما كان الثمن؟
ان الشعب السوري لا يحتاج فقط الى تغيير الحاكم او تغيير اسم السلطة، بل يحتاج الى تغيير حقيقي في مفهوم الدولة والسلطة والمواطنة. لا يمكن بناء سوريا مستقرة من دون دستور ديمقراطي واضح، ولا يمكن تحقيق الوحدة الوطنية من دون الاعتراف بالتنوع القومي والديني والثقافي، ولا يمكن الحديث عن الديمقراطية بينما تبقى حقوق مكونات اساسية من الشعب السوري خاضعة للمساومات السياسية.
وبالنسبة للشعب الكوردي، فان المطلوب ليس امتيازات خاصة ولا اقصاء اي مكون اخر، بل الاعتراف الدستوري والقانوني بوجوده وحقوقه كشعب اصيل يعيش على ارضه التاريخية، وضمان مشاركته الحقيقية في بناء الدولة السورية الجديدة. فالوحدة الوطنية لا تعني انكار التنوع، والمواطنة لا تعني الغاء الهوية، والديمقراطية لا يمكن ان تكون حقيقية اذا كانت حقوق الشعوب والمكونات تتحول الى مجرد وعود وشعارات.
لقد قدم الشعب الكوردي تضحيات كبيرة، وسقط شهداء دفاعا عن مشروع سياسي ومستقبل مختلف لسوريا، وليس من المنطقي ان تتحول هذه التضحيات اليوم الى مجرد ذكرى، بينما تتراجع المطالب السياسية التي ناضل من اجلها هذا الشعب لعقود. لذلك فان القوى السياسية الكوردية مطالبة اليوم بمراجعة المرحلة السابقة بكل شجاعة، وان تسأل نفسها قبل ان تسأل غيرها: ماذا تحقق؟ وماذا خسرنا؟ واين اخطأنا؟ وهل حافظنا على المشروع السياسي الذي ضحى من اجله الشهداء، ام اننا بدأنا نتخلى عنه خطوة بعد خطوة تحت ضغط موازين القوى الجديدة؟
الحقيقة التي يجب ان تقال بوضوح هي ان المعركة السورية لم تكن فقط من اجل اسقاط نظام، وانما كانت من اجل بناء دولة. واذا تحول اسقاط نظام قديم الى مجرد استبداله بنظام جديد، من دون تحقيق الديمقراطية والتعددية والشراكة والعدالة، فان جوهر المشكلة سيبقى قائما مهما تغيرت الاسماء والوجوه.
لذلك فان المرحلة الحالية تحتاج الى مراجعة سياسية حقيقية وشجاعة، لا الى التصفيق للواقع الجديد ولا الى الاستسلام لموازين القوى. فالمطلوب من القوى الديمقراطية والكوردية وكل القوى التي ناضلت من اجل سوريا جديدة ان تحافظ على مشروعها السياسي، وان تجعل مشاركتها في مؤسسات الدولة وسيلة لتحقيق الحقوق لا وسيلة للتنازل عنها. لان السلطة تتغير، والتحالفات تتغير، وموازين القوى تتغير، لكن حقوق الشعوب لا يجب ان تتغير بتغير الحكومات.
وفي النهاية يبقى السؤال الاهم
اذا كانت الثورة السورية قد خرجت من اجل الحرية والكرامة والديمقراطية وبناء دولة تشاركية لجميع السوريين، فهل تحقق ذلك فعلا؟ ام اننا امام مرحلة جديدة يتم فيها اعادة انتاج السلطة والاستبداد بصيغة مختلفة؟ وهل ما زال الشعب السوري هو صاحب القرار في مستقبل بلده، ام ان مستقبل سوريا اصبح يحدد في غرف التفاهمات الاقليمية والدولية؟
هذا هو السؤال الذي يجب ان يواجهه الجميع، وخاصة القوى التي قدمت نفسها طوال سنوات على انها تمثل مشروع التغيير. لان التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى تضحياتها، والشهداء لم يسقطوا من اجل المناصب، وانما من اجل مستقبل افضل وحقوق وحياة كريمة. ومن هنا فان الحفاظ على جوهر المشروع الديمقراطي والتعددي والشراكة الحقيقية بين جميع مكونات سوريا هو الاختبار الحقيقي لكل القوى السياسية في هذه المرحلة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم زورو ينسى المسلمون الكورد بأنهم كانوا أصحاب أعظم ديانة بهرت العالم، الذي أخذوا منه جملةً وتفصيلاً، حتى أنهم نسبوا زرادشت إليهم. وتضيف ماري بويس بأن الزرادشتية أقدم ديانة على الإطلاق، ومعرفتها ضرورية لمعرفة الديانات الأخرى.، “تُعَدُّ الزرادشتيةُ أقدمَ دين من بين أديان الوحي العالمية، ولعلَّها أثّرت، بشكل مباشر وغير مباشر، تأثيراً كبيراً في الإنسانية أكثر من أية ديانة أخرى……

إبراهيم محمود ما كتبتُه في مقالي عن مئوية قامشلو/ قامشلي، قبل أيام ، بعنوان ” ولوعن القليل من الوفاء المشترك لمدينة قامشلو/ قامشلي” كما وصلني من تعليقات ومن تقدير، متوقعٌ، لأن الأسماء التي عرَّفت بنفسها كما هي، أفصحت عن شفافية علاقة وفي دائرة نسَب مكانية تضعنا جميعاً، في محمية جغرافية واحدة، إن أردنا أو نشدنا الدقة، وتتحدانا مستجداتها جميعاً، ولعلها…

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…