سوريا بين المركزية القاتلة والفيدرالية المنقذة

د. محمود عباس

 

نظام بشار الأسد المجرم حارب الشعب بذريعة التصدي لـ “جماعات متمردة” و”منظمات إرهابية” مدعومة خارجيًا، ليبرر قمعه الدموي، فكانت النتيجة إعدام الحلول، قتل وتهجير الملايين، وتدمير البلاد بالكامل. واليوم، تتكرر اللعبة بذات المنطق، وإن اختلفت الذرائع، في محاولة لتغييب أي حل حقيقي للصراع الذي استمر لأكثر من عقد من الحرب الأهلية.

ما يجري في الساحل، رغم ارتباطه بفلول النظام، وما يحدث في دمشق ومختلف المناطق، إلى جانب استهداف الكورد تحت حجة محاربة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تمثل كافة مكونات غربي كوردستان، ليس إلا استمرارًا لنهج مماثل لسابقه، حيث الجرائم بحق المدنيين تُرتكب بغطاء الأمن وحماية الثورة.

الحل لا يكمن في المزيد من العنف، بل في الحوار وإرساء نظام ديمقراطي فيدرالي لا مركزي، فبدون ذلك، لن يكون هناك سلام، بل صراعٌ ممتد بلا نهاية، يُغذّيه الاستبداد تحت غطاء الدين.

 إن البديل المطروح اليوم ليس إلا نظامًا مركزيًا إسلاميًا متطرفًا، يُكرّس الاستبداد باسم الشريعة والتفسير الأيديولوجي للنصوص الدينية، وهو من أخطر أشكال الأنظمة السياسية، حيث يستخدم المقدس كأداة للقمع، ويعيد إنتاج الديكتاتورية بثوب ديني أكثر سطوة.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور هيئة تحرير الشام، التي رغم إعلانها “حلّ ذاتها”، لا تزال تفرض هيمنتها، وتشكّل السلطة وفق مقاساتها الخاصة، واضعةً الدستور والحكومة والمجلس التشريعي تحت قبضتها، وبإملاءات مباشرة من تركيا، التي تحرك جيشها لحماية مصالحها، لا لحماية الشعب.

إنقاذ سوريا من دوامة الفوضى والتفكك يتطلب حلولًا جذرية تعيد التوازن والعدالة إلى نظام الحكم، بعيدًا عن المركزية القسرية التي أثبتت فشلها على مدى عقود.

 نأمل أن تسهم الطرق التالية في إقناع القوى الرافضة للنظام الفيدرالي اللامركزي، بما في ذلك الحكومة في دمشق، بأنه ليس تهديدًا لوحدة البلاد، بل هو الضامن الوحيد لاستقرارها وبنائها كدولة تحتضن جميع مكوناتها، بدلًا من أن تبقى رهينة الاستبداد والصراعات المتكررة.

  • إطار قانوني دستوري يضمن وحدة الدولة
  • تقديم الفيدرالية اللامركزية كإصلاح دستوري يعزز استقرار سوريا، وليس كمقدمة للتقسيم.
  • التأكيد على أن توزيع السلطات لا يعني تفكيك الدولة، بل يضمن مشاركة جميع المكونات في الحكم.
  • الاستفادة من تجارب دول مثل بلجيكا، والعراق، وإسبانيا، وسويسرا كنماذج ناجحة للامركزية ضمن دول موحدة.
  • مكاسب اقتصادية وتنموية
  • إبراز كيف يمكن لسوريا كوطن أن يستفيد من توزيع السلطة، حيث ستتحمل الإدارات المحلية مسؤوليات مباشرة عن الخدمات والتنمية، مما يخفف الضغط عن المركز.
  • توضيح أن الفيدرالية اللامركزية ستعزز الاستثمارات المحلية والدولية، خاصة في مناطق مثل شمال وشرق سوريا، التي تتمتع بموارد طبيعية وإمكانات اقتصادية كبيرة.
  • التأكيد على أن هذا النموذج قد يسهم في إعادة الإعمار، من خلال السماح لكل منطقة بإدارة شؤونها الاقتصادية بشكل أكثر استقلالية.
  • الاعتراف بالواقع السياسي والعسكري
  • التأكيد على أن سوريا لم تعد كما كانت قبل 2011، ولا هي قبل29 يناير2025، وأن هناك حقائق سياسية وعسكرية جديدة تفرض إعادة النظر في شكل الحكم.
  • الاستفادة من تجربة الإدارة الذاتية في غربي كوردستان، مع المصالحات المحلية، حيث يمكن اعتبار اللامركزية استمرارًا لهذا النهج.
  • على القوى المهيمنة على السلطة في دمشق الاقتناع، وتقنع بدورها القوى الرافضة، بأن تطبيق الفيدرالية اللامركزية سيخفف الضغط العسكري والأمني عليه، لأنه سيمنح المجتمعات المحلية القدرة على إدارة شؤونها دون الحاجة إلى تدخل مباشر من الحكومة المركزية.
  • الدعم الدولي والإقليمي
  • التأكيد على أن تطبيق الفيدرالية اللامركزية سيحظى بدعم المجتمع الدولي، مما قد يفتح الباب أمام رفع العقوبات الجزئية وإعادة بعض العلاقات الدبلوماسية.
  • إبراز أن بعض الدول الكبرى قد يدعمون هذا النموذج كحل وسط، خاصة مع إدراكهم لصعوبة فرض نظام مركزي صارم بعد كل هذه السنوات من الحرب.
  • التأكيد على أن تركيا وإيران قد تكونان أقل قدرة على التدخل في سوريا إذا أصبحت المناطق تدار محليًا، بدلًا من أن تكون بيد مركز ضعيف يتحكم به صراع النفوذ الدولي.
  • ضمانات أمنية وسياسية
  • تقديم ضمانات بأن الحكومة المبنية على النظام الفيدرالي اللامركزي سيظل يحتفظ ببعض الصلاحيات السيادية، مثل الدفاع والسياسة الخارجية، بينما يتم منح المناطق سلطات أوسع في الجوانب الإدارية والتنموية.
  • طمأنة القوى السورية المعادية، من قبل الحكومة في دمشق، بأن اللامركزية لن تعني الحكم الذاتي المطلق أو الانفصال، بل تهدف إلى تحقيق استقرار مستدام لكل المكونات السورية، ومنع أي نزعات انفصالية مستقبلية.
  • التأكيد على أن تطبيق النظام المطروح، يمكن أن يكون تدريجيًا، بحيث يُنفذ بشكل مرحلي، مما يسمح للحكومة بالتكيف معه دون خوف من فقدان السيطرة الكاملة.
  • التفاوض مع القوى المحلية
  • دعم مفاوضات مباشرة مع القوى الفاعلة في شمال وشرق سوريا، ومع القوى المحلية الأخرى، الدروز والعلويين، بحيث يُطرح مشروع الفيدرالية اللامركزية كخيار مقبول لكل الأطراف.
  • الضغط عبر القوى السياسية الداخلية والشخصيات القومية المؤثرة، التي قد ترى في اللامركزية مخرجًا سياسيًا من الأزمة.
  • بناء توافق داخلي بين مختلف المكونات السورية، بحيث لا يظهر المشروع وكأنه مطلب جهة واحدة، بل ضرورة وطنية لإنقاذ البلاد من التفكك.

ويظل السؤال: هل ستقبل القوى الحاكمة والتي تتمسك بالمركزية كبوابة للهيمنة، بالفيدرالية اللامركزية؟

النظام السوري السابق لطالما تمسك بالمركزية كوسيلة للسيطرة، واليوم وبعد زواله أصبحت القوى الوطنية، وخاصة حكومة هيئة تحرير الشام الحالية، في وضع لا تسمح لها بالرفض المطلق، خاصة إذا واجهت ضغوطًا داخلية ودولية، ورأى أن اللامركزية قد تضمن لها البقاء بشكل من الأشكال.

 المسألة ليست فقط في الإقناع، بل في خلق بيئة تجعل هذا النموذج الخيار الأكثر منطقية للنظام الذي سيطبق في دمشق، بدلًا من أن يبقى عالقًا في صراع دائم قد يُضعفه أكثر في المستقبل، بل وربما سيكون العامل الأول في إزالته كما أزالت النظام البائد.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

6/3/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي الخلافات الحزبية، سواء كانت تنظيمية أو فكرية أو سياسية، حالة غير صحية؛ لكنها أصبحت طبيعية مع تكرارها بشكل دوري. أمّا غير الطبيعي فهو أن تنزل هذه الخلافات إلى الشارع، وتتصدر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يصدر كل طرف بيانات يوضح فيها وجهة نظره، ويتهم بشكل غير مباشر الطرف الآخر بأنه السبب فيما وصلت إليه الخلافات. ومن الطبيعي…

كفاح محمود منذ سنوات، لا تتعرض كوردستان لاعتداءات متفرقة يمكن وضعها في خانة الحوادث الطارئة، بل لما يشبه حربًا معلنة على أمنها ومدنها واقتصادها وحق أهلها في حياة آمنة ومستقرة، ومع كل هجوم، يتكرر المشهد الرسمي نفسه: إدانة باردة، لجنة تحقيق، ثم صمت كثيف يبتلع القضية ويطمرها كأنها لم تكن. المشكلة لم تعد في الفصائل وحدها، بل في الدولة التي…

فواز عبدي كثيراً ما يدور الجدل في الساحة السياسية حول اتهام حزب ما بالعمالة أو التبعية لجهة خارجية، بينما يسارع أنصاره إلى نفي ذلك بشدة واتهام الطرف الآخر أو حتى الناقد الحيادي بالخيانة. غير أن المشكلة في هذا السجال أنه غالباً ما يبقى أسير الشعارات والانطباعات، بدل أن يستند إلى منهج يساعد المجتمع على فهم ما يجري وتقييمه بوعي. فمن…

لوند حسين* أدلت السيدة گوهَر حيدر، المتحدثة باسم الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكُردية (بزاڤ)، بتاريخ 4 نيسان 2026، بتصريحٍ أعقب الاجتماع السابع بعد المائة لهيئتهم، وهو تصريح يثير كثيراً من الشفقة والاستغراب، ولا يمكن التعامل معه بوصفهِ مُجرد اجتهاد سياسي عابر؛ إذ يعكُس في جوهره أزمة عميقة في فهم معنى العمل الوطني الكُردي الجامع، وحدود الشرعية السياسية، وآليات إنتاج التمثيل…